عندما غابت الشمس
أمنية تتحقق :
أمضت العربات بقية الليل وهي تزحف كالسلاحف بأحمالها الثقيلة ، ما بين موقع سجن جناح الذي رحلنا منه ومدينة الخارجة التي تقع في منتصف المسافة تقريبًا بين سجن جناح وسجن المحاريق .. كثيرًا ما توقفنا لمعاونة إحدى العربات المغرورة في الرمال ، ولم ننج بدورنا من هذا المصير ، كنا ونحن نعتلي أمتعتنا ننخرط أحيانًا في حديث طويل عن طبيعة الحياة في السجن الجديد ، وما قد يقابلنا فيه من صور الضغوط وألوان التكديرات ؛ لأنه بني خصيصًا لهذا الغرض ، ونحن أول نزلائه .. ولكن سرعان ما نتجاوز هذه التوقعات ؛ لأن ما في قلوبنا من اطمئنان ، وما يشع في عيوننا من بريق الإصرار ، وما تترجمه ابتساماتنا وضحكاتنا وأناشيدنا من ثقة قوية في الله ، وما نحسه في أعماقنا من إرادة تفتت الصخر ، كل هذا قد جعلنا لا متهيبين من هذا المصير المجهول – بل أكاد أقول صادقًا بل متعجلين للقائه .. ويشهد الله علي ما كان في قلبي من سعادة وعربتنا تزحف وتتحسس طريقها بقرني استشعار من النور ، ونحن ملتحفون فوقها بثوب السماء الموشَّي بالنجوم ، كيف لا أتسربل بالاطمئنان وقد خلت أفكاري من الاهتزاز ، وبرئت مشاعري من التناقض ، وامتلأ قلبي باليقين وبالحب لكل فرد في هذه الصفوة الممتازة من الرجال المؤمنين ، الذين عقدوا العزم علي رفع راية الحق حتى النهاية ؟! الموت نفسه علي هذا الحال يصير محببًا إلي النفس ، لا فزع فيه . وكلمات الأغنية تعكس في الواقع كل التوقعات الشريرة ، ومعها استعدادنا النفسي لملاقاتها .. ويميل أخي عبد الرحمن البنان علي أذني ، ويهمس فيها ضاحكًا :
- لقد كنت في أيامنا الأخيرة بمعسكر جناح تتمني التغيير ، ولو إلي أسوأ .. وها هو التغيير في طريقه إليك .. أما كنت تتمني شيئًا آخر ؟ وأستغرق معه في الضحك ، مؤكداً له سروري بالحركة علي كل حال ، فالسكون يعني الموت ، والحركة الصحيحة حتى الموت هي الحياة ..
الأيام الأخيرة :
عندما كنت أخلو إلي نفسي كانت كلمة البنان ترن في أذني ، وتعيد أمام عيني شريط الأحداث التي سبقت هذا اليوم .. وكيف كنا علي وشك مذبحة كبيرة كتلك التي وقعت لإخواننا في ليمان طره ، لولا أن الله نجانا من ذلك بإبعاد أسباب الاحتكاكات عنا بانفصال المؤيدين بقسم (2) ، واقتصار الحياة علينا بقسم (3) الذي وصفته الإدارة بقسم المعارضين .. ولم يكن يعنينا أي صفة يلصقونها بنا .. فحسبنا أن نسائم الأخوة والمحبة قد بدأت تهب علي حياتنا مرة أخري ، وأننا أخذنا نسير – بل نقفز – نحو مستوانا الراقي القديم ، الذي كنا عليه أول مرة ، قبل أن يدخل الشيطان بيننا .. وطغي الإحساس بالارتياح والشعور بالفرح علي ما اقترفه المتشددون في حق قضية الالتزام .. فلم يفكر كثيرون في مؤاخذة الأخ الذي أدت مشاجرته إلي تسلسل الأحداث التي انتهت بالانفصال .. بينما ظل الشعور بالاستياء قائما لدي فريق من الإخوان تجاه هذا التصرف الفردي ، بصرف النظر عما انتهت إليه النتائج لصالحنا .. فالحق هو الحق لك أو عليك .. وكنت أري رأي هذا الفريق واستصوبه ، وأشعر بشعوره ، ولا يشغلني الارتياح عن التذكير بجانب الحق في القضية معهم لكل مسؤول في قسم (3) .. كان الحديث يجري عادة مع المسؤولين علي الوجه الآتي :
- نراكم في انشغالكم بإرساء أسس حياتنا الجديدة قد تغاضيتم عن الخطأ الذي ارتكبه المتشاجر في حق مبدأ الالتزام .. والمفرط في تقديرنا لا يختلف عن المفرَّط في الأساس النفسي ، فكل منهما قد اتبع هواه .. هذا في الإفراط وذلك في التفريط .. فإظهار عدم الرضا أو توجيه اللوم لهذا النوع من السلوك هو أول ما يجب أن تتفتح به حياتنا الجديدة ، وضعًا للحق في نصابه ، وإلا فتحنا باب التصرفات الفردية بدعوى الغيرة علي الدعوة ، فنجني من وراء ذلك أخطاء كثيرة ، قد يكون لها بريق يغشي في البداية .
- نحن معكم فيما تقولون .. من الحرص علي سلامة الموازين ، وإن كنا أمام النتائج الطيبة التي وصلنا إليها ، بانفصال المؤيدين عنا نعتبر أن الخير هو فيما اختاره الله وقدره .
- إننا محاسبون دائمًا علي أعمالنا وتصرفاتنا البشرية ، لا عن النتيجة القدرية .. أعمالنا شهادة والنتيجة غيب .. وشريعتنا أنزلت للشهادة علي البشر .. ولنا في حديث الإفك عبرة ؛ لأنه يوضح دائرتي القدر والبشر في مجال التصرفات .. فمن دائرة القدر : " لا تحسبوه شرًا لكم بل هو خيرًا لكم " .. ومن خلال دائرة البشر : " لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم ، والذي تولي كبره منهم له عذاب عظيم " .. فتصحيح الموازين اليوم بحفظنا بها غدًا .. حتى لا نكتوي في الغد بتصرفات من أفادنا اليوم خطؤه ..
حياة جديدة :
م تمنعنا هذه التحفظات من المشاركة في معالم الحياة الجديدة ، التي طال شوقنا إلي رحيقها المختوم ، بعد أن تخلصنا من كل عوامل الوهن .. بدأنا باختيار أسلوب إداري جديد لإدارة المعسكر ، بانتخاب اثني عشر أخًا من كل قسم (3) ، يشكلون المجلس الإداري ، يرأسه أكثر الأعضاء أصواتًا ، باعتباره مسؤولاً عامًا ، ويخضع أدبيًا لإشراف أحد أعضاء مكتب الإرشاد ، باعتباره مشرفًا عامًا ، وهي صفة لم تكن موجودة من قبل في علاقة مكتب الإرشاد بمجلس الأمراء .. وبهذا استحدثت حلقة إدارية جديدة بين المكتب ومجلس الأمراء ، كانت في جوهرها إبعادًا لسلطة المكتب نوعًا ما ، وتقوية لرجال الصف الثاني ، وأغلبهم من القيادات السابقة للجهاز الخاص .. وجاء الأخ رشاد المنيسي ضابط الشرطة السابق أول مسؤول إداري في هذا الوضع الجديد . وأمضينا عامًا علي هذا الحال قبل ترحيلنا إلي سجن المحاريق في أغسطس عام 1958 . وقد ازدهرت كل صور النشاط الثقافي والفني والرياضي والعلمي علي مدار هذا العام حتى ظللت حياتنا تظليلاً .. في الوقت الذي أخذت حياة قسم (2) تتدهور ن ويصيبها الملل والسأم ، ولم يكن السور المقام بيننا يحجب عنا أخبارهم .
صوت العقل :
ومع الأيام ازداد المخلصون في قسم (2) اقتناعًا بخطر الشوائب أو المخلفات السامة ، التي أفسدت أحلامهم في جدوى الجدل حول المناهج ودور الجهاز الخاص في الجماعة ، بعد أن عاينوا متاعبها ، وتحققوا من أنها لا تصلح لشيء ، ولا لمجرد الالتقاء علي مصلحة مشتركة عارضة ، كالخروج من السجن ؛ حيث كان منهم يتصرف بانطلاق ذاتي أضر الجميع .. مما دعا عقلاء المؤيدين إلي المسارعة للاتصال بالمسؤولين لدينا ، للعودة إلي الحياة الصحيحة في حضن الجماعة الأم .. وكان الشيخ أحمد أبو العلاء هو رائد العودة ، تلاه صلاح العطار ، ومحمود شكري ، وحسن شافعي ، وفتحي البوز .. وعمتنا فرحة كبيرة بكسب هؤلاء الإخوة الكرام الذين نعلم مقدار الخير الكامن في نفوسهم .. وأزعجت حركة العودة هذه كل أطراف التحالف الشرير ، فعملوا علي إيقافها ، وتمخضت اجتماعاتهم واتصالاتهم عن أهمية إحداث تطوير في حياتهم .. عن طريق قرارات حاسمة ، ظنوها قادرة علي علاج الموقف ، سموها قرارات 17 ديسمبر الشهيرة ، أكدوا في مستهلها علي أنهم يمثلون جماعة الإخوان المسلمين الجديدة ، وأن الخارج عليهم خارج علي الجماعة ن ثم تناولت بقية القرارات تنظيم حياتهم الداخلية .. ورغم ذلك فلم يتوقف تيار عودة الإخوان الجادين إلي مجتمعهم السليم ، بعد أن فطنوا إلي غرض السلطة البعيد ، فكان لابد من عمل أكثر حسمًا من جانب السلطة ، حتى تحقق هدفها من سياسة التفتيت والإفناء البسيط .. فكان قرار الترحيل المفاجئ لجميع المؤيدين إلي سجن مصر ، تمهيدًا للإفراج عنهم .
مرحلة السفور :
بهذا القرار العجيب في مطلع عام 1958 بدأت مرحلة جديدة في قضية التأييد والمعارضة ، وهي دخول الحكومة إلي الميدان سافرة .. شعرنا بالمرارة للأسلوب الصبياني في كسب التأييد ، أو القضاء علي الرأي الآخر في الأمة .. أسلوب بدائي تجاوزته البشرية من قرون ، عندما عرفت معني الحرية والديمقراطية ، وعندما أشرق الإسلام بنوره علي الأرض ، ليعلي من كرامة الإنسان ومن حقه في الاختيار .. لكن أنَّي للديكتاتوريات أن تفهم ذلك . أدركنا أن الحكومة وقعت في الفخ ، من حيث ظنت أنها أصابت الهدف ، وأنها دخلت في سرداب مظلم ، يدمي الأقدام ويغشي الأبصار ، بعد أن أكدت رسميًا وصفنا بالمعارضين ن وأخذت تعاملنا علي هذا الأساس ، أو بمعني تضطهدنا لهذا السبب .. ودخلت معنا في تحديات وتكديرات وضغوط نفسية ومادية داخلية وخارجية ، مازالت مستمرة معنا حتى تاريخ كتابة هذه السطور في 5 أكتوبر 1970 .. ولا يعلم إلا الله كم خسرت البلد من جراء أجهزة الأمن الفاشلة حتى هذا اليوم .. وستستمر الخسائر حتى يأتي اليوم الذي تعرف فيه كيف تعامل أصحاب العقائد ، وحتى تدرك أنها لن تقضي عليهم بكل وسائل الضغط والتحليل النفسي أو الإفناء ، فالموت نفسه لصاحب العقيدة لا يحل المشكلة ، ولا يقضي علي العقيدة .. وإنما السبيل هو أن تكون هذه الأجهزة أولاً صاحبة عقيدة أفضل وسلوك أقوم وغايات أصح .. فإن لم تكن كذلك فعليها أن تكون مستعدة بأمانة وصدق أن تأخذ وتعطي من تلك العقائد المضادة ، لا أن تغلق أبواب تفكيرها أو طريقة سلوكها .. أو بمعني جديد عليها أن تكون مستعدة لأن تتغير .. بهذا فقط تأخذ أفضل ما عند خصومها ، وتبقي في مركزها ، ويدوم لها سلطانها .. وينقلب أصحاب العقائد المعارضين لها بالأمس جنودًا لها .. كانت دعوة الرسول الذكية لقريش وهو يقول لها : " قولوها كلمة واحدة تدين لكم بها العرب والعجم ، ويبقي لكم أبد الدهر " . لم يقل لهم سأقلب أوضاعكم ، أو سأزيل سلطانكم ؛ لأنه يعلم أنهم يجحدون الحق ، ويعمون عن النور من أجل المحافظة علي السلطة ، فقال لهم : سيتسع سلطانكم ولا أسألكم عن ذلك أجرًا .
كان زعماء التتار وزعماء الأتراك أذكي من زعماء قريش ، وأذكي من طغاة اليوم ، وأذكي من رجال الأمن ؛ لأنهم اختصروا الطريق ، وجنبوا شعوبهم السجون والمعتقلات المآسي ، فبادروا إلي اعتناق عقيدة شعوبهم المسلمة ، بعد أن تبين لهم الحق ، فبقوا في أماكنكم ، وزاد سلطانهم ، وامتد في الزمان والمكان .. هذا هو سبيل القضاء علي المعارضة .. أن يكون من في الحكم هو الأفضل في كل شيء .. فإن كان هو الأسوأ فمصيره الزوال ، مهما تشبث بالحكم ؛ لأن الزبد سيذهب جفاء .. أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض
ضربة جديدة :
لكن أنَّي لمنم يعيشون في السوء – فهمًا وسلوكًا ونظامًا – أن يدركوا هذه المعاني .. إن شهوة الانتصار علي الخصوم تنسيهم أهمية الانتصار علي المبادئ والسلوك والنظم بالأفضل .. فهم في سلوكهم الوحشي إنما يهربون في الواقع من إنسانيتهم ؛ لعجزهم عن متطلباتهم ، فيودون قسر غيرهم ليكونوا أمثالهم فيرضوا عنهم .. وهذه إحدى ضرورات التأييد النفسية لديهم . لم نكد نفيق من صدمة ترحيل قسم (2) ، حتى تلقينا صدمة أخري بتجميع كل المغضوب عليه من سجون القناطر الخيرية وبني سويف وأسيوط بالواحات مع المعارضين .. واستقبلنا الوافدين الجدد بروح الأخوة التي غطت علي المغزى الكئيب لهذا التجميع ، وأشعلنا في نفوسنا جميعًا جذوة الثقة في نصر الله ، وأفضنا عليهم من كل شيء جميل في حياتنا ، وهم بدورهم كانوا خير عوض عمن فقدنا .
المرشد يشد آزرنا :
كان هذا التجميع مقدمة لترحيل الجميع إلي سجن المحاريق ، الذي بني خصيصًا بطريقة الزنازين ؛ ليسهل مهمة الضغط علينا ، وتكديرنا ، وتسخيرنا في الأعمال المختلفة ، إذا ظل إصرارنا علي رفض التأييد قائمًا .. وقد تسربت إلينا الأخبار قبل الموعد المحدد للرحيل بشهر . ولما وصلت أنباء هذه الاستعدادات الشيطانية لفضيلة المرشد العام أرسل إلينا خطابًا يشد من أزرنا ، ويوصينا بصبر المؤمنين وعزيمتهم ، وعدم الوهن أمام أي بطش ، فلو بقي منا علي قيد الحياة خمسون فإنهم سيكونون كثير بميزان الدعوات وسيفتح الله عليهم وبهم أمم الأرض .
تقارير للشيوعيين :
أفادتنا الأنباء المتسربة في إعداد لهذا اليوم ؛ حتى لا نؤخذ علي غرة ، ولم ننس نصيبنا من الدنيا ، فاستمر الذبح في الطيور والأرانب ، وقامت الولائم في كل الخيام ، وكأنما هبط علينا المن والسلوى علي مدار هذا الشهر . وفي عصر أحد أيام أغسطس 1958 ، جمعنا مأمور السجن منير كيرلس بجوار مبني الثلاجة في ساحة المعسكر ليفاجئنا – هكذا توهم – بنبأ وصول رتل من سيارات النقل في الليلة نفسها ، لنقلنا علي عجل إلي سجن المحاريق .. ومع الغروب وصلت العربات حسب التوقيت الحكيم ، وأخذت تبتلع أمتعتنا ، وبدأت بالشيوعيين ، وأسفنا حين وجدنا في مخلفاتهم تقارير مرفوعة عنا ، توصي بتقسيمنا إلي فئات للإعدام .. وللنفي مدي الحياة .. ولغسيل المخ حسب مقتضي الحال . ولم يفتنا أنا والبنان ومحمود عميرة أن نستبقي أرنبًا صغيرًا ، وضعنا أيدينا علي ظهره ، ثم أطلقناه حرًا في الصحراء بين الأعشاب للذكرى ، ولم تشغلنا الحركة الدائبة في السجن ولا هدير المحركات عن مأوى أرواحنا ، فدلفنا إلي المسجد الخاوي في الظلام ، وصلينا فيه ركعتين ؛ لتكون آخر عملنا فوق هذه البقة المباركة من الأرض ، التي شهدت فصلاً من تاريخ الدعوة ، قبل أن نعتلي ظهور العربات وتبتلعنا الصحراء ..
الفصل الثاني : • الصحراء مدرسة الدعاة الخالدة .. • المؤيدون والمعارضون من جديد ..
توقف رتل العربات ، ريثما نزلنا لأداء صلاة الفجر في ليل الصحراء الساجى ، فإن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا ، " إن قرآن الفجر كان مشهودا" ، وإذا كان ذلك في الصحراء كان شيئاً عجيبًا .. أما وقد حدث مقدمون علي مواجهة الأخطار في موقف من مواقف الجهاد ؛ فكأننا نسمع القرآن يرتل حول عرش الرحمن من الكرام البررة .. حتى لكأن أرواحنا تحلق في عالمها العلوي آيات من الفيض الرباني تحس ولا توصف .. وبعد الصلاة اعتلينا ظهر العربات فوق الأحمال ، ليبدأ الإخوان فصلاً جديدًا من تلاوة القرآن وترديد مأثورات الصباح ، وكان ذلك كله يعكس كل معاني الاطمئنان والتسليم .. وكان يشيع خلال هذه اللحظات التي تشهد انسلاخ النهار من الليل صمت مقدس له سحره وجلاله .. وكنت حتى هذه اللحظة لم يطرف لي جفن ، فقد حرمت النوم علي عيني في ليلة كهذه ، قلما يجود الزمان بمثلها .. كنت أسبح مع أحلامي في كل الأسماء التي لم تستوعب حقيقة الصحراء .. بيداء ، وفيافي ، وقفار ، وفلاة .. فكلها تحكي عجز الإنسان عن معرفة أسرارها ، مثلما تحكي عن فنونه بها .. وكنت أسبح بخواطري عبر الزمن نحو ماضي حبيب ، أهاجت الصحراء ذكرياته ، يوم خرج النور لأول مرة في قلب الصحراء العربية ؛ ليبدد ظلام الحضارة الفارسية والرومانية ، ويحرر الإنسان من عبوديته لأرباب كثيرة من دون الله .. كانت الصحراء جديرة بهذا الشرف في اختيار الله لها ن مثلما اختار الله صحراء أخري في إفريقيا في القرن العشرين ، لتكون محلاً للتكريم ، لبعث دعوته من جديد .. أوسع من عالم المدن : لقد شغلتني أحلامي وخواطري عن الطريق وعن مطباته .. ولم أشعر بأي ملل ، بعد أن اكتشفت أنني ابن شرعي للصحراء .. وأن روحي تعيش في عالم أوسع من عالم المدن الضيق ، وأنه بأهل المدن أن يعودوا إلي أمهم الصحراء كل حين لينقهوا فيها من كل أقسام المدينة .. ليروا سماءها قريبة من رءوسهم . لتمتد أبصارهم إلي بعيد .. ليروا قرص الشمس الكبير ، وهو يسترد سلطانه علي الأرض ، بعد أن زوته المدن في النهار بالمباني المتطاولة ، مثلما زوت قمر السماء في الليل بالمصابيح المتلألئة .. ليشموا نسيم الفطرة الأولي .. باختصار شديد ليولدوا من جديد .. في الخارجة .. دخلنا مدينة الخارجة عاصمة الوادي الجديد مع شروق الشمس ، وهي تقع في منتصف المسافة بين سجن جناح وسجن المحاريق .. وهي لا تعدو كونها قرية كبيرة ، بكل ملامح القرية ، من دور ريفية ، وحارات ، وأزقة ، وفقر شديد بادي علي وجوه الناس .. ربما تكون قد تغيرت الآن عن ذي قبل .. تشوقت أن تقع عيني علي دار العمدة أو المرور بالقرب منه ، إذ طالما سمعت قصص المروءة والشهامة التي قام بها نحو زوارنا ، كما كان يرسل إلينا بمعسكر جناح كل حين هدايا من تمور الواحات بدون علم أحد من رجال السلطة ، معرضًا نفسه في كل ذلك لأخطار كبيرة . من بعيد .. لم نلبث أن تجاوزنا مدينة الخارجة ، مصوبين نحو الشرق في اتجاه سجن المحاريق .. قد خلا طريقنا الجديد من كل السحر والروعة اللذين أحسست بهما في الطريق الأول .. كان الطريق معبدًا كأنه طريق زراعي مألوف لنا .. هدأت معه كل الخواطر الثائرة .. وتبخرت كل الأحلام السعيدة حين تعلقت أبصارنا بشيء بعيد بدأ يتضح رويداً رويداً ، ثم وضحت معالمه تمامًا ، تلك المباني البيضاء التي تضحك شمس الضحى فوق أسطحها ن فتزيدها جلاء ، وظلالها تمتد نحونا كأذرع حانية ترحب بنا وتضمنا إلي أحضان قدرنا الجديد بسجن المحاريق . في السجن الجديد .. شهدت صبيحة يوم من أواخر أغسطس سنة 1958 مع ارتفاع شمس الضحى دخول العربات والشاحنات إلي فناء السجن الجديد ، وقد دخلت كل عربة من المكان الذي راق لها ؛ حيث لم يكن قد أقيم سور بعد حول العنابر الثلاث التي يتكون منها سجن المحاريق .. يعتمد السجن في حياته علي المياه التي تصله عبر أنابيب ممتدة من عين ماء تقع جنوب المنبي علي بعد كيلومتر تقريبًا .. وسرعان ما أفرغت السيارات حمولتها التي اكتظت بها زنازين العنبرين المخصصين لنا .. يتكون كل عنبر من جناحين ، كل جناح يتكون من عشرين زنزانة ، علي كل جانب عشرة زنازين ، بينهما ممر مسقف ، في نهايته من الداخل تقع دورة مياه كل جناح . بدخول آخر عربة إلي فناء السجن انتهت علاقتنا بالطاقم القديم من ضباط وسجانة ، وأصبحنا أمام طاقم جديد ووجوه جديدة ، لم نألفها ولم تألفنا من قبل ، وعلي رأسها مأمور السجن الجديد المقدم ضياء ، الذي وصل بعدنا بأيام .. ولقد قدر لي أن أعيش في هذا السجن حتى فبراير سنة 1961 ، قبل أن أرحل إلي سجن القناطر ، وأن أشهد فصلاً فريداً من تاريخ الدعوة . استأثر هذا المكان باسم السجن من أول يوم ، ولم يحظ بلقب معسكر يومًا واحدًا كما كان الحال في جناح . زوار غامضون .. ولم نهنأ بالأيام القليلة التي تركت فيها الأبواب مفتوحة في العنبرين ، حيث نغصها علينا ظهور مجموعة جديدة من المؤيدين ، ولم يكن مستغربًا لدي كثير من الإخوان أن يكون أبطال هذه الجولة هم مجموعة المتحمسين ، الذين طالما عانينا من شططهم مع المؤيدين القدامى .. وسبق أن بينا أن الأساس النفسي للفريقين واحد ، هو أتباع الظن وما تهوى الأنفس .. وجاء اليوم الذي تجني فيه ثمرة تغاضينا عن تصرفاتهم السابقة ، التي أفادتنا في حينها ، ولكنها عمقت فيهم منطق الهوى المغلف بثوب الغيرة علي الدعوة .. ولكنهم اليوم أمام توالي الأحداث ودلالاتها من ترحيل المؤيدين للإفراج عنهم ، ومن نقلنا إلي سجن جديد مبني بطريقة الزنازين ، ومن إرهاصات بلون جديد من المعاملة للمعارضين ، ومن دخول رجال المخابرات بمدينة الخارجة بطريقة مباشرة في حياتنا ، فهذا رجلهم السعدنى يشرف بنفسه مع ضباط السجن في الدعوة المباشرة إلي تأييد الحكومة ، ويحذر من مغبة المعارضة .. وأمام ازدياد الاستعدادات من قبل رجال الإدارة لاستقبال زوار غامضين قادمين علي طائرة خاصة ، وعلي رأسهم صلاح الدسوقي بطل مذبحة طره .. أمام ذلك كله فقد أسفروا عن وجههم الصحيح .. لم تتكون هذه المجموعة طفرة ، بل بدأت بذورها في معسكر جناح عقب ترحيل المؤيدين للإفراج عنهم ، ولما أحس أعضاء المكتب وأعضاء المجلس الإداري برغبة هذه المجموعة في أن تسلك نفس الطريق ، ومن خلال المحافظة علي الانتماء للجماعة ، أفهموهم بصراحة أن للجماعة خطأ واضحًا . ولكنهم لا يقفون في طريق أحد يرتضي لنفسه سلوكًا آخر فيه بعض الترخيص ، وأن طريق العزيمة مفتوح لمن يعينهم الله عليه .. ولكن إذا اقترن الترخيص بالسلوك القويم والاعتدال فإن ذلك لن يبعد صاحبه عن قلوبنا ولا عن صفوفنا إذا ما رغب في التزام أسلوب حياتنا . التأييد والمعارضة من جديد .. جاءوا إلي سجن المحاريق ونفوسهم معلقة بخاطر الجمع بين الحسنيين ، سلوك طريق التأييد الموصل للإفراج ، واستمرار ارتباطهم بالمجموع ، لإيمانهم بما يمثله من موقف صحيح .. ولكن هيهات أن يصمد هذا الأمل أمام الاستعدادات المخيفة ، التي تنبئ عن أمور كثيرة ، وهيهات أن يبقي هذا الحلم الوردي أمام تغلغل الضباط المباشر في صفوفهم بالتثبيط ، وفي صفوفنا بالتلويح والتحذير ، فكان من الطبيعي أن يميزوا بسكن خاص بهم بأحد أجنحة عنبر (2) ، وأن يجدوا أمنهم في حوار الشيوعيين بالجناح الثاني من العنبر .. وأن يستشعروا مثل من كان في السجن من نزلاء وسجانة فداحة ما سنقدم عليه من ارتضاء سكننا بعنبر مستقل هو عنبر (3) ، تحت لافتة مخيفة هي " المعارضين " ، ونشطت حركة تنقلات بين العنبرين ، بحيث ازداد الأمر تبلوراً .. وكانت هذه المجموعة الجديدة من المؤيدين تتميز بصدق المشاعر نحونا ، والخوف من مغبة قبولنا للتحدي من جانب سلطة غشوم لا تعرف أي معني من معاني الحضارة والتقدم .. وكم رأيت الدموع تطفر من عيون كثيرين منهم وهم يستميتون في إقناعنا بالإقدام علي خطوة التأييد ؛ تفاديًا لمعارك خاسرة .. ونجحت عواطفهم في إقناع الدكتور حسين كمال الدين المسؤول العام أن يفضل مجرد لسكن في عنبرهم ؛ إشعاراً لهم بمكانتهم ، وليكون بجوار صهره الدكتور كمال ؛ رعاية له من التعرض لأي أزمة نفسية ، ولاعتبارات عائلية ، ولم يستحسن الإخوان منطقه هذا ، لأنه سيزيد من بلبلة النفوس ، خاصة إذا ما أغلقت العنابر فجأة وحيل بين بعضنا بعضًا .. ولكن احتمال غلق الأبواب كان بعيدًا لدي المتفائلين ، الذين مازالوا يفكرون بعقلية معسكر جناح .. وخاصة وأن فتحها يفيد خطة الإدارة في استمرار الدعوة المباشرة إلي التأييد ، وهذا الأسلوب الذي يتخذه السعدنى ضابط المخابرات في عقد الندوات لابد من الأبواب المفتوحة لحضور الجميع ، فلا داعي للإسراف في التشاؤم .. وشغلنا عن المجادلات بالحرص علي متابعة ندوات السعدنى ، الذي شمر عن ساعديه للدعوة إلي التأييد ، ولم يثنه قيظ الصحراء عن مهمته الصعبة ، فها هو يتخفف من ملابسه الرسمية ليقف بين الإخوان بملابسه الداخلية في إحدى الزنازين ، مرهبًا من موقف المعارضة ، ومرغبًا في خطوة التأييد ، ويدخل بسبب ذلك مع الإخوان في جدال شديد ..
الفصل الثالث : • لماذا تصر الدولة علي تأييد هؤلاء المساجين ؟ • القوى الكبرى تخطط لوقف المد الإسلامي ..
بدأ فارس الحلبة يدير حوارًا مفتوحًا في عنبر (3) مع الإخوان ، حول التأييد والمعارضة للثورة . وفارسنا اليوم هو النقيب محمود السعدنى ، أحد ضباط المخابرات بمدينة الخارجة عاصمة الواحات ، وأحد أعوان الرائد الشهير بهجت بطل أحداث معسكر جناح .. لقد وجدوا جميعًا فينا ميدانًا سهلاً لبطولات " دونكشوتية " ، وكنا مازلنا لا نصدق ما يجري تحت سمعنا وبصرنا ، ومازلنا في دهشة من أمر سلطات الدولة ودخولها في قضية التأييد والمعارضة بكل ثقلها ، إلي الحد الذي يدعوها إلي ترحيل قسم (2) للإفراج عنهم ، ثم إلي تحويلنا إلي هذا السجن المبني لتباشر فيه سياسة الضغط والتكدير من أجل هذا الغرض الغريب .. ومازلنا في حيرة من تفسير دواعي هذا السلوك الخاطئ ، الذي سيعود علي الأمة بأضرار كثيرة ؛ لأنه يطيل أمد السجون والمعتقلات بلا مبرر ، ويحرم الأمة من أخلص أبنائها ، ويشيع فيها روح الخوف من جو الإرهاب والديكتاتورية .. لم نر عاقلاً يعمل ضد نفسه .. الثورة بهذا الأسلوب تعمل ضد نفسها ن في حين أن الأمر لن يكلفهم شيئًا إذا عمدوا إلي اللقاء المباشر والتفاهم الصريح مع قادة الجماعة ، أو مع مجموع الأفراد الموجودين في كل سجن .. أو بمجرد الإفراج الفوري عن الجميع بعد أخذ الضمانات وعمل الاحتياطات الكافية ، وهو أمر منطقي من جانب السلطة في تأمين نفسها .. ونعجب من أن دولة كبرى ذات إقليمين في الشمال والجنوب ، وإقليم عراقي في طريقه إليها ، وذات صوت عالي بين دول عدم الانحياز ، وذات دور مع ثورات التحرر العالمية في آسيا ودول أمريكا اللاتينية . دولة هذا شأنها ، وثورة هذا مداها ، لا يعقل أن تظل تستشعر في أعماقها العجز أمام مئات عزَّل ، لا يملكون من أسباب القوة شيئًا ، ولا من أسباب المعارضة الحقيقية شيئًا ، ومع هذا فهي تعمل لرأيهم من داخل السجون ألف حساب .. ألا يكون في الأمر سرًا كبيرًا ؟! ويزداد العجب ويكثر التساؤل بيننا ويدور الحديث .. أحد الإخوان .. إن ما يجري علي كل حال هو شهادة تقدير للرأي المخالف ، وإن له من القيمة والخطر في الداخل ما يجعله يعادل الجيوش والأجهزة والأموال .. أخ آخر .. الأمر مجرد إرضاء لنزعات فردية وأحقاد شخصية ، ورغبة في السيطرة علي العباد ، ولو علي حساب المصلحة العامة ، إذ كيف يعجز من يدين له الملايين بالولاء ، وتبح له الحناجر بالهتاف ، وتدمي الأكف بالتصفيق من الخليج إلي المحيط ، عن انتزاع ولاء قلة الرعية ؟! إنها قضية كرامة سلطان . أخ ثالث .. ألا ترون أن لرجال الأمن مصلحة شخصية في تضخيم الأمور ، لاستبقاء الإجراءات الاستثنائية في الأمة ؟! والحاكم ، أي حاكم بطبيعته حساس تجاه كل ما يمس أمنه الشخصي ، وقد نجحوا في الدخول إليه من هذه الزاوية ، في تصوير الموقف علي أنه معارضة شخصية قبل أي شخص آخر . أخ آخر .. هذا أيضًا مجرد عنصر في القضية ، وليس هو كل القضية . أخ آخر .. هل تغفلون كوننا ورقة رابحة في أيدي من يشتري رضاء القوى الكبرى المحركة للأحداث العالمية ؟! . خوف من المد .. لقد كانت تلك القوى تخشي سيطرة المد الإسلامي علي المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية ، بعد إفلاس النظم الرأسمالية ، وبعد أن قادت الحركات الإسلامية موجات التحرر والاستقلال من اندونيسيا إلي الجزائر ، إلي داخل الأدغال . والقوى الكبرى تحكمها عقدة الحروب الصليبية ، فمازالوا يتصورون في قيام الإسلام عود لأيام الطعن والنزال ، ولم يدركوا بعد أنه سفينة الإنقاذ لحضارتهم الغارقة في محيطات لا قاع لها ، وأنهم أحوج من غيرهم إلي نور السماء ، وأننا مجرد حاملين إليهم وجنود لمن يحمل رايته من أي شعب وفي أي مكان .. لكن أني لهم أن يدركوا ذلك ، فالعقدة تحكمهم ، وصوت الإسلام يخيفهم ، والموقف حرج ، والحركات الإسلامية تزحف .. أنسيتم يوم أن تكتلت كل الأحزاب في جبهة واحدة في انتخابات الجامعات ؟! ومع هذا كان الاكتساح لشباب الإسلام . لذلك كانت القوى العالمية وراء الانقلابات العسكرية ، والدعاوى القومية والمذاهب الاشتراكية ، ونحن الثمن المدفوع من أجل إقامة الدولة العصرية ذات الصفة العلمانية ، نحن البرهان المادي الملموس المقدم دائمًا من قبل الحكام علي مائدة المفاوضات السرية ، فكيف – بربكم – يفكرون في إنهاء القضية ؟! إنهم مدفوعون إلي هذا بقوى خفية أكبر منهم ، يرتعشون منها كما ترتعشون من زبانية السجون الحربية . مستغلون في اللعبة .. جربوا خطوة تأييد جماعية ، إنهم في هذه الحالة لن يفرجوا عن أحد ، ولكن الإفراج عن الأفراد هو للتسلية وللظهور بمظهر الاستقلال في تصريف الشؤون الداخلية .. ربما لا يعلم رجال الأمن أنفسهم أنهم مستغلون في هذه اللعبة الدولية ، ويتصرفون بدوافع وطنية وإن كانت غبية . وسقط الفارس .. وينقطع الحديث بيننا لنلحق بالندوة السعدية ، فها هو الفارس يقف في الميدان ، وقد تخفف من ملابسه الرسمية من شدة الحر .. وها هو منهمك في توجيه أسئلته الثورية :
- الثورة جادة في عدم الإفراج عنكم ما لم تؤيدوها . - نحن لم نطلب الإفراج من أحد ، ولنا في قصة يوسف – عليه السلام – عبرة .. فلماذا هذا التعب ؟ - معني هذا أنكم معارضون الثورة ؟ - السجن ليس مكانًا للتأييد والمعارضة .. ألم تقرأ في القانون أنه قيد علي الحرية ، وأنه يرفع عن الشخص المسؤولية ؟! - أنتم نوع خاص من المسجونين لتأييدكم قيمته الوطنية . - هل الثورة القوية في حاجة لتأييد بعض المسجونين ؟! أما يكفيها تأييد الملايين من الخليج الثائر إلي المحيط الهادي ؟! - قلت لكم : رأيكم له الاعتبار الأول . - إذن تفاهموا معنا تفاهمًا مباشرًا .. كلام الرجال للرجال .. - الدولة لا تعترف بكم كجماعة ، لأنها حلت بقرارات رسمية . - إذن ماذا يخيفها من أفراد عاديين غير منتمين إلي أي تشكيلات حزبية ؟ - عدم تأييدكم معناه أنكم مصرون علي إعادة الجماعة بعد الإفراج عنكم . - إذن يحميكم القانون . - لا يكفي القانون .. ولابد من تأييدكم . - وإذا لم نؤيد ؟ - ستخلدون في السجون . - رضينا بهذه النتيجة ، وكفوا عنا ، واتركونا في هدوء . - لابد من خروجكم لتعود إلي البلاد روح الديمقراطية . - ما الذي يمنعكم من ذلك ؟ - تأييدكم أولاً ، وإلا فقد أعذر من أنذر . - نشكرك علي الإعذار ... ونرفض الإنذار الروسي ..
وتضاحك الإخوان ، وارتبك الفارس الهمام ، وسقط من علي جواده ، وانسحب إلي مكاتب الإدارة ، ليحتمي ببزته الرسمية ، ولم نره بعد هذه الندوة الطريفة مرة أخري .. لقاءات ثنائية .. وعلي الجانب الأخوي الجاد انتشرت اللقاءات الثنائية في محاولات أخيرة ، قبل هجوم المفاجآت ، التي بدأنا نشم دخانها من بعيد ، ويبحث عني أخي " ع.أ " الرائد البحري وزميلي في حفظ القرآن في معسكر جناح ، أقرأ في عينيه كلامًا كثيرًا ، وفي نبرته حبًا وإشفاقًا ، لقد حضر إليّ عنبر (2) الذي تحيز به الراغبون الجدد في التأييد .. جاء يفضي إليّ بكلمة أخيرة في صدره قبل أن يحال بيننا .
- ما الذي يحملك علي هذا الموقف ، والكل يعرف ظروف محاكمتك ، وأن صلتك بالجماعة كانت عرضية لم تتوثق ؟ - وأنت ما الذي يحملك علي هذا الموقف ، وأنت صاحب سبق وتاريخ ؟
أنسيت ما كنت تأخذه علي قسم (2) القديم ، الذين فتحوا باب التأييد ؟ قال : إنما هي مجرد سياسة خاصة بالمجموعة الموجودة في هذا السجن ، لا تأثير لها علي ولائنا الدائم لجماعتنا .. مجرد موقف تكتيكي لم يستنكره المسؤولون عنا وتركوا لنا الخيار .
- وماذا تنتظر منهم أن يفعلوا مع من ينوى عمل شيء . لكن سلوكهم العملي حجة علي الباقين . هم أنفسهم ومن معهم من بقية الإخوة يرون خلاف ذلك ، وحججهم في ذلك وجيهة ، وحق لمن ينظر إليها بمنظار مجرد غير متأثر بظروفنا الشخصية . - لا أدري لماذا طاف بذهني هذه اللحظة قصة طالوت – عليه السلام – وجنوده . - أنا أعتبر أن المسؤولين عن الجماعة هنا لا يتصرفون بحكمة . - إذن تصرف أنت من خلال موازين الإسلام الذي يطالبنا بالحق والميزان . كن أنت المرشد العام والمسؤول الأول عن متطلبات الدعوة . والجماعة في تقديري هي الفهم السليم والسلوك السليم ، ولو من فرد واحد . - إنك بهذا تطيل أمد بقائك في السجن ، والثورة جادة في تصفيتنا بهذا الأسلوب . وعلينا أن نعاملهم لا بمقاييسنا . وأخشى ألا يصمد في نهاية المطاف أكثر من خمسين واحد من هذه المئات التي دخلت السجون . - بل أتمني أن يكونوا عشرة . فيهم تظل الراية مرتفعة ، لتحملها أمم من بعدنا فحين يطبق الظلام ستشخص الأبصار إليها وحدها .. - إن شخصًا واحداً قد حمل الأمة علي مبادئه ، فكيف بعشرة تؤيدهم السماء إذا كانوا علي مستوى دعوتهم ؟ - إذن أنت مصرّ؟ - نعم
فسكت .. وسكت .. وسكتت الحركة بعدها في السجن كله يومًا أو بعض يوم سكوتًا مريبًا .
الفصل الرابع :
حريق في المحاريق .. ماذا وراء هذا السكوت المريب ؟! .. فجأة سكتت الحركة المحمومة ، وأصبح كل شيء يوحى بقرب إغلاق أبواب الزنازين .. مقدمة لأحداث في بطن الغيب .. كان هذا السكون يثير قلقي وحيرتي فيما تخبئة الكيس الثمين .. لأني لا أعلم من أين ستهب الريح ، ولا ما سوف تأتي عليه . إن لدي بعض الطيور حاسة معينة تدفعها إلي الإسراع بالهجرة إلي مأمنها قبل وقوع الزلازل \او هبوط العواصف .. حتى فئران السفينة ، فإنها تكون أول ما يحس بخطر الغرق فتسارع في الهرب .. ولكن حظها ليس كحظ الطيور ، فليس أمامها إلا البحر يكون فيه مدفنها .. ومن فاتته فرصة التصرف بإلهام الطير لقي مصير الفأر .. وقد قدَّر لي أن أتصرف مرة بإلهام الطير في أيامنا الأخيرة بمعسكر جناح ؛ حيث أسرعت بإخراج ما تخوفت عليه من أعداد مجلة الصف مع إحدى الزيارات ، وكانت المجلة مرآة صادقة لحياتنا اليومية من جميع زواياها .. وأبقيت ما كنت عليه أكثر تخوفًا من مذكرات وأبحاث وصور تذكارية أخذت خلسة ، يحتويها كيس مربوط بحبل من روحي ، لم تطاوعني نفسي بالتخلي عنه لحظة ، مؤملاً أن أفاديه من أي خطر .. كان هذا الكيس الذي ترددت في أن أسلك معه منطق الطير في معسكر جناح ، هو العلة التي جعلتني هذه المرة وبين جدران سجن المحاريق أتصرف بحيرة الفأر .. هذا السكون المريب بدأت تتخلله استعدادات مريبة ، لاستقبال زوار مجهولين لهم خطرهم .. كلما مرت الساعات كلما زادت حمى الاستعدادات ، كلما ازداد ضباط السجن انفصالاً عن كل ما حولهم ، بل حتى عن أنفسهم التي بين جنبيهم .. لا نسمع
إلا اللهث ، ولا نري إلا العيون الشاخصة .
اليوم الثاني لم يأت .. لم يكن يشغلني ما يخبئه الغد ، بقدر ما كنت مشغولاً ومهمومًا بتخبئة هذا الكيس الصغير .. سرت مسافة كيلومتر خارج عنابر السجن ؛ لدفنه في الأرض ، وبعد أن وضعته في الحفرة عدلت عن الفكرة ، خشية أن يسور السجن بعد حين ، أو نرحل علي غرة ، فيحال بيني وبينه ، وفضلت البحث عن مخبأ داخلي ، ولكن لم أجد مكانًا أطمئن إلي بعده عن المخاطر .. أخيرًا لمعت بذهني فكرة تطويحه فوق سطح العنبر ، وأطمأن بالي تماما لهذه الفكرة .. وهممت بذلك ، وفي اللحظة الأخيرة تذكرت ما جرت به عادة السجون من وضع حراس الليل فوق أسطح العنابر ، فعدلت عن الفكرة .. سُدَّت أمامي أبواب التصرف ، حتى ضقت تمامًا بهذا الحمل الصغير ، حتى لكأنه جبل كبير .. وانقطعت سحابة النهار دون أن أهتدي لفكرة صائبة .. وأشفقت علي ذهني من الانفجار ، وعزمت علي الحسم في اليوم التالي ، ولو بتمزيق محتوياته .. ولكن اليوم التالي لم يأت ، وتسرب الزمن من بين أصابعنا ، فقد أطبقت الأبواب فجأة ، وتوتر الجو في جميع أنحاء السجن ، وصارت جل أمنيتي أن أنجح في مغامرة توصيله إلي مخزن الملابس المكتظ بالأمتعة من كل شكل وحجم .. وحمدت الله أن ظفرت بذلك أخيرًا .. وكنت أعجب لمن يعاني مثل همي نحو شيء مادي يمكن تعويضه يومًا ما ، أما البحث أو المذكرات أو الصور التذكارية فهي لا تقدر بمال . انتباه .. انتباه .. يا لها من صيحة مزعجة كريهة ، يغتم لسماعها كل من يعرف مقدار ما تنطوي عليه من عبودية وإذلال للصائح بها ، وكل ما تنطوي عليه من صلف وغطرسة وغباء أحيانًا لصاحبها .. وهي أسوأ ما ورثناه من التربية الاستعمارية بدل إفشاء السلام – مهما قيل في تبريرها – خاصة عندما تقترن بالنفير المنفر ، الذي تكتمل به الطقوس الوثنية في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان . كانت هذه المظاهرات من النداءات المتوالية والنفير المدوي هي أول ما استقبلنا به صباح يوم جديد .. وفهمنا علي الفور أن هؤلاء الزوار المجهولين قد وصلوا إلي السجن ، وأحسسنا من تتبعنا للحركة المحمومة من النداءات ، ومن سرعة حركة النفير الذي يقترب ثم يبتعد ، ثم يأتينا صوته تارة من الشرق وأخري من الغرب ، مختلفة بالسباب والهرولة ، مقدار خطورة الزوار ، وكيفية تنقلهم داخل السجن .. إنهم الآن بجوار المخازن .. اتجهوا إلي المطبخ ، وصلوا إلي المكاتب ، فصوت النفير يكشف عن اتجاه التحركات وسرعتها ، بل إن ارتعاشة الصوت أحيانًا كانت لها معني لدينا .. وتسلقنا فوق بعضنا بعضًا ، لنلقي نظرة من نوافذ الزنازين علي ما يجري .. وفجأة قفز الإخوة إلي الأرض .. وقبل أن نسألهم عن السبب كانت انتباه المشؤومة والنفير والسباب والهرولة قد وصلت إلي باب عنبرنا مباشرة ، تسبقها طرقات الأحذية الغليظة وهي تنهب ممر العنبر أمام الزنازين .. الحريق .. ثم دلفت الطغمة الشريرة بخيلها وخيلائها إلي العنبر .. وصدرت التعليمات السريعة بفتح الزنازين .. واحتبست أنفاسنا ، وترقبنا ما يحدث ، وتوجسنا شرًا ، وتعجبنا من أمر هذا الزائر الغامض ، الذي تجري الضباط بين يديه كأنهم صغار الجنود .. ولم يكن هناك وقت للتعجب .. فنداءات الضباط تتوالي ..
- اخرجوا إلي فناء السجن فوراً .. بكل ما معكم من أمتعة .. انهض بسرعة قم يا ولد ، أسرع يا مسجون . وخرجنا كالقذائف الموجهة ..
وما هي إلا دقائق ، حتى كنا جميعًا في الفناء ، بعد أن أخليت الزنازين تمامًا ، وتركناها خاوية كأن لم تغن بالأمس .. واستطعنا – رغم هذه العجلة – أن نتبين الوجوه والرتب التي جردت لهذه المهمة الوطنية الكبرى .. كان من بينهم الرجل الطيب اللواء محمود صاحب وكيل مصلحة السجون .. رغم أنه يحبنا ، إلا أنه لا يستطيع أن يفعل لنا شيئًا ، فقلبه مع علي وسيفه مع معاوية .. وكان من بينهم أيضًا العقيد البشلاوي ، وغيرهما من الضباط المزودين بالسلاح ، فضلاً عن رجال الشرطة العسكرية المدججين بالمدافع الصغيرة والبنادق .. لم تكمن الخطورة في كل هؤلاء .. بل كانت تكمن في أقل الزوار رتبة ، وأكثرهم نفوذًا ، وهو الرائد محمود خليل أركان حرب مصلحة السجون .. ومعني ذلك أن له صلة مباشرة برجال الثورة ، وله كلمة عليا نافذة علي كل الرتب في المصلحة . حتى أن جبار المصلحة اللواء إسماعيل همت المشهور بإجرامه وبطل مذبحة طره .. كان يسير في ركاب الرائد محمود خليل ، ويتلقَّي الأوامر منه . أمرنا أن نتخلص علي الفور من كل الملابس المدنية ، ومن كل الأمتعة ، ونسلم كل ما معنا ، ونقف صفوفًا بملابسنا الداخلية .. كانت نية الاستفزاز واضحة في كل أمر وكل حركة وكل نظرة إلينا ، وقمنا بتنفيذ ما طلب منا .. وسرنا صفوفًا أمام أكوام ثلاثة من البطاطين وملابس السجن الزرقاء والأبراش .. وكل من يتأبط نمرته تسوقه زمجرات البشلاوي وصيحاته إلي إحدى الزنازين .. وكلما ازدحمت زنزانة ملأوا الأخرى ، ثم أحكموا غلق الزنازين علينا وانصرفوا .. وهكذا خرجنا في دقائق من كل متاع الدنيا القليل ، وتخلصنا من فوارقها الشكلية ، وعدنا مرة أخري إلي الحياة البسيطة ، لا تمييز فيها لأحد علي أحد في ملبس أو مأكل أو مسكن . لم تكد تغلق علينا الأبواب ويبتعد الجيش الظافر بأسلابه وغنائمه ، مشيعًا بالانتباهات وأصوات النفير ، حتى حمدنا الله لعدم وقوع أي اصطدام ، وأخذنا نستعيد ذكريات هذه اللحظات المفاجئة ، بكل ما كان فيها من زمجرات البشلاوي ، وحركاته ، ومن ارتعاشات ضابط عنبر (2) حتى أطلق عليه الإخوان أحمد مرعش ، ومن أشياء صغيرة تصدر من الضباط والحراس المذعورين ، ومن منظر حارس العنبر وقد ألجمه الخوف ؛ فلم تخرج كلمة انتباه من فمه ، والبشلاوي يلكمه في صدره قائلاً :
- قل انتباه يا ابن الكلب .. والمسكين يحاول فلم تخرج الكلمة من فمه ، وهو يتصبب عرقًا ، ويكاد يختنق وهو يستميت في المحاولة .. ارتفعت الضحكات هنا وهناك .. وكاد ذلك يوقعنا في إشكالات مع إدارة السجن ، فكان يوصي بعضنا بعضًا من خلال شراعات الأبواب بالتخفيف من جو المرح ، حتى لا تظنها العقلية العسكرية تحديًا لها واستهزاء بها . عنبر المؤيدين ..
حدث نفس الأمر مع عنبر (2) الخاص بالمؤيدين ، ولكن بأسلوب أهدأ ن وعلي وقت كافٍ ، خال من الاستفزازات والسباب ، وخال من الوعيد ؛ إذ لم يكونوا هم المقصودين بهذه التكديرة .. فكانوا وكل المرضي عندهم من الشيوعيين والمسجونين العاديين في عنبر واحد يجمعهم الأمان من الخوف .. بتنا ليلتنا علي هذا الحال ، لا ندري عن خبيئة الغد شيئًا ، فثقتنا في الله تحمى حتى خواطرنا من التفكير في العواقب .. كان الظلام والسكون يلف كل شيء في السجن .. لم يكن يقطع هذا السكون غير توالي نداءات أبراج الحراسة .. وغير صياح الضابط أحمد مرعش المسؤول عن عنبر المؤيدين ، فصياحه يصل إلينا بديلاً لصوت النفير بالنهار .. كنا نسمعه يوالي التنبيهات ويصدر التعليمات لمساعده ، وكانت الممنوعات هي الكلمة الوحيدة علي لسانه .. فكل ما عدا البرش والبطانية ممنوعات . أما إذا كان الأمر يتعلق بالورقة والقلم ، فهي ليست ممنوعات فحسب ، بل وفي نفس خطورة المفرقعات . وكان أحمد مرعش بعصبيته هذه عقابًا ربانيًا مسلطًا علي الذين بحثوا عن الأمان في غير جنب الله . حتى إذا أشرقت شمس يوم جديد من أيام شهر سبتمبر 1958 التقطت آذاننا أصوات العير والنفير ، فأدركنا أن الموكب الميمون قد عاد مرة أخري . وكنا قد ظننا أن كل شيء قد انتهي بسلام في اليوم السابق ، ولكن عودتهم المفاجئة جعلتنا نتوجس شراً بيتوه بليل .. فبادر الإخوة المسؤولون بالتنبهات المشددة والتوصيات القوية بعدم الاصطدام بهم ، مهما حاولوا استفزازنا ؛ حتى لا نخوض معركة خاسرة غير متكافئة ، يملكون فيها كل شيء . ونحن عزل من كل شيء ، حتى من قدرتنا علي الحركة بين جدران أربع .. دهشتني هذه التطورات التي لم تكن علي بال أحد .. أكل هذا من أجل إكراهنا علي تأييد الثورة ؟! إن هذا لشيء عجيب !! . أبطال فلسطين يهانون في المحاريق .. لماذا وضع النشيد في قائمة الممنوعات ؟ اقتحمت الحملة عنبرنا ، تتقدمها النداءات المحمومة ودوي النفير .. وهيئة إدارة السجن من مأمور وضباط وجنود مسلحين بالبنادق والمدافع الرشاشة .. الكل يهرول ويزداد ذعرًا كلما اقترب موكب الضباط العظام ، يتقدمهم البطل المغوار محمود خليل ، الذي نجح في غزو عدد كبير من الزنازين .. السجان يبدأ بفتح الزنزانة وينادي : انتباه .. وسرعان ما يندفع السيل المجنون من الضباط والجنود يصوبون السلاح إلي صدور الإخوان ، ريثما يدخل محمود متهاديًا موزعًا بذاءاته .. لماذا تعارض الحكومة .. انطلق يا ابن .. انتو عاملين جدعان .. ما جدع إلا النبي . وكانت يده تمتد أحيانًا بالصفع .. مردداً في غيظ وانفعال .. أكنتم تريدون الحكم ؟ وقد نجح الإخوان في ضبط أعصابهم جيدًا ، ووعوا نصيحة إخوانهم المسؤولين بألا يُؤتي الجميع من قبل أي أخ متهمور ، فكل منا علي ثغره ، لحماية مجتمعنا من الدخول في معركة خاسرة . وكان من أقسي الأمور علي النفوس ومن أشقها أن يصبر فرسان ميادين فلسطين والقنال علي ذلك من أجل أرواح إخوانهم ن لا من أجل أنفسهم ، وهم الذين لا يرهبون الموت ، ولهم تاريخ غني بالبطولات النادرة .. كان الإخوان يقفون صامتين ، ولا ينطقون بحرف واحد ، ولا يردون بكلمة علي سخافات القائد المغوار ،، وكانت عيونهم ترمي بشرر أقوى من نيران أسلحتهم .. ولقد شهدت لهم أرض المحاريق بنوع فريد من البطولة في معركة ضبط النفس وهو من أشق الأمور علي هذه النفوس الكبيرة .. وهي تجربة جديدة لم يمروا عليها من قبل . لقد مرت عليهم مواقف الموت في الميادين وكان تقبلهم له سهلاً .. ومرت عليهم مواقف التعذيب البدني بالسجن الحربي وكان أمره محتملاً .. أما صغائر هذه الحملة فهي أشق من الموت والتعذيب .. ظل هذا الجراد المنتشر متنقلاً بين الزنازين حتى الظهر ، ثم صرفهم الله عنا بفكرة أخري راقت لهم ، ولا أظن أنها كانت في حسابهم من قبل ، وذلك للطريقة المفاجئة التي اسحبوا بها من العنبر .. ماذا يعدون ؟ ولم يلبث موكبهم المظفر أن توقف في ساحة السجن ، وسمعنا حركة ولغطًا وطال الوقوف ، وانقطع صوت النفير ، وسكتت النداءات ، وأحسسنا بأمر مريب يعد .. وبدأ الإخوان يرقون أكناف بعضهم بعضًا ؛ لإلقاء نظرة من شبابيك الزنازين لمعرفة حقيقة ما يجري ، ولم يلبث الدخان المتصاعد في سماء السجن أن حمل إليهم قصة الحريق كاملة .. لقد نجح الأبطال في اقتحام مخزن الملابس ، الذي وضعت فيه كل أمتعتنا من ملابس وكتب وأجهزة علمية وأدوية ، وبالجملة كل ما كنا نملكه بسجن جناح من مستلزمات حياة طبيعية لمدة ثلاث سنوات .. وما لم تأت عليه النيران من أجهزة راديو وأدوية وساعات وآلات موسيقية وأقلام ، فقط حطم بالمطارق .. ولم يسلم الأمر من نهب ما خف حمله وغلا ثمنه ، وعلي رأسها النقود .. وقد نزل خبر الحريق علي نفسي نزول الصاعقة ؛ لأني تحققت من مصير الكيس الصغير الذي كانت محتوياته العلمية والتاريخية أثمن عندي من كل الأمتعة .. وكذلك كان الأمر لدي الإخوة الذين كان لهم إنتاج علمي أو أدبي . أحسست بقسوة القيود بعد هذا النبأ الأليم ، وبمرارة البطش ، بدرجة لم أحسها من قبل .. وغلت الدماء في عروقي ، واحتسبت هذه المصيبة عند الله ، وقررت ألا تمس يدي قلمًا ولا ورقة ما بقيت بين الجدران ، لقد انغلقت نفسي تمامًا ، وانطفأت فيها جذوة العلم والتحصيل ، بعد أن كانت مشتعلة في سجن جناح ، وعجبت من سر تسمية هذه البقعة من الأرض بالمحاريق ؛ لأن لها من اسمها نصيبًا .. الله أكبر .. الله أكبر .. إنه صوت المؤذن لصلاة الظهر .. يا له من نداء حبيب ! لقد غاب عني وقتًا طويلاً ن خلته دهرًا ، وقعت فيه كل هذه الأحداث منذ الصباح حتى الآن .. أرحنا بها يا بلال .. صدقت يا رسول الله .. ما أحلي الصلاة في مواجهة الأقدار .. إنها شعاع النور المهدي لنا من السماء لتبديد ظلمة الأرض .. وهي أشد ما تكون حلاوة في الصلاة الجهرية .. لقد كانت قراءة الإمام تسري في أرواحنا فتهزنا هزاً .. كنا نستمع إلي إمام الزنزانة مصطفي لأول مرة ، يتلو بصوته الندي ( • ) لم يكن لهذه الآية الكريمة مثل هذا الوقع القلبي من قبل .. لأن ما يؤذي السمع أشق علي الأحرار من تجرع الموت .. كما أن الصبر عليه هو حقًا وصدقًا من عزم الأمور .. منذ أن دخلنا السجون وتوالي الأحداث يعطينا مادة عملية لتفسير كثير من آيات الكتاب الحكيم . فكلما مر علينا موقف وجدنا هدينا فيه ، وكنا له أكثر فهمًا ، وكان علي قلوبنا أشد وطأ ، مما دعي البعض إلي المزاح بقوله :
- إن محنتنا ستنتهي يوم أن يكتمل تفسير القرآن الكريم بالوقائع الحية علينا .. لأن حاجة الدعاة الأولي هي التربية النفسية قبل كل القضايا التشريعية ..
ويمزح قائلاً :
- إذن فأمامنا ثلاثة عشر عامًا مكية بتسعة عشر جزءاً من القرآن .. تري كم بقي من ذلك كله ؟. ويمزح ثالث قالاً : - هذا إذا كنا علي مستوي الصدر الأول ، فلا نحتاج إلي وقت أطول من التربية . ونتضاحك وسط الهول . ولم يكبر ما يجري في صدورنا ، وكأننا نشاهد مسرحية فكاهية علي مسرح المحاريق . اليوم الثاني ..
انتهي اليوم بسلام ، وحمدنا الله الذي حول بطشهم إلي مخازن الأمتعة .. ولكن لم تطل فرحتنا ؛ حيث عادوا إلينا بقضهم وقضيضهم في اليوم التالي ، واقتحموا علينا العنبر مرة أخري لتفتيشه تفتيشًا دقيقًَا ، متوهمين أن بعض الأشياء قد سربت إلينا ، فضلاً عن إفرادنا بمعاملة خاصة تزيد عن عنبر (2) الخاص بالمؤيدين ؛ حيث قد أصابهم ما أصابنا من الحريق بطريق الخطأ من جانب قائد عنبرهم أحمد مرعش ، الذي توهم الأمر عامًا بجميع نزلاء السجن ، لا خاصًا بالمعارضين ، مما ساء رجال الحملة ، فأفردونا بهذا اليوم من التكدير .. وفجأة قامة قيامة زنزانة معينة يسكنها عدد من إخوان إسكندرية .. لقد عثروا علي شيء فيها لا ندري ما هو .. وقد ساقوهم ضربًا خارج العنبر ، وحلقوا رءوسهم من خلال الركل والضرب ، ثم ساقوهم بالعصي الغليظة دورانًا حول العنبر بلا توقف لأكثر من ساعة .. وقد احتبست الأنفاس فينا ، واسترقنا السمع من وراء الأبواب ، وتلصصنا الأبصار ، لنعلم حقيقة الأمر .. لكن الحملة خرجت مسرعة بصيدها الثمين من الإخوان ، وغادرت العنبر إلي حيث التحقيق ، فالحلق ، فالضرب ، مع الدوران حول العنبر .. مرة أخري صرفهم الله عنا بما عثروا عليه داخل هذه الزنزانة ، حيث كان كفيلاً لشفاء صدورهم ..
النشيد هو السبب ..
وانتظرنا علي قلق عودة الإخوة بعد أن أشبعوهم من التكدير ، ومنهم علمنا قصة النشيد الذي عثرت عليه الحملة أثناء التفتيش في طرف إحدى البطاطين . كان الأخ سعد سرور قد فرغ منه لتوه ، ولما يبدأوا في إنشاده بعد .. ولكن كلماته القوية أطارت صواب هذه الطغمة العسكرية ، وأفسدت هدفها النفسي .. وقد شاع بعد ذلك بين جميع الزنازين التي أخذت تردّد مع إخوان الإسكندرية ..
مـحـلاها والله الزنـزانة مـزنـوقة ولكن سـيـعـانة
والقعـدة فـيها عـجبانـة وقلوبـنا سعيـدة وفـرحـانة
محلاها والله الزنزانة ...
النومـة علي الأبراش حلوة وبقـيـنا مع الله في الخـلوة
وكـتاب الله أحـسن سلـوة وآيـاته تـنـور دنيـانــا
محلاها والله الزنزانة ...
النـسـمة تمـر تنعــشنا والكلـمة الحلوة تفـرفشنـا
وكفاية معـانا رغيف عيشنا من غـير ما تغمس يكفانـا
محلاها والله الزنزانة ...
قافـلينها عـلينا وحابسـينا فـاكرين آل يعني مـدايقنـا
لو كـانت نار تصـبح جنة طول مـا احنا بنعبد مـولانا
محلاها والله الزنزانة ...
قـفـلوهـا ولاَّ فـتـحوها أجسـامنا الفـانية ياخـدوها
وقلوبـنا مش راح يطولوها وهـتفضـل دائمـًُا ويـانـا
محلاها والله الزنزانة ...
الفصل الخامس : • الاجتماع اليتيم وقصص من كل السجون
بانتهاء واقعة نشيد انتهي الزنزانة انتهي أيضًا عهدنا بالشمس والهواء ورؤية عالم الأحياء ، وابتلعتنا زنازين عنبر (3) الرطبة .. كما انتهي أيضًا عهدنا برؤية بعضنا البعض ، حيث غُلَّقت الأبواب ، فلا يسمح بالفتح إلا لزنزانة واحدة لعدة دقائق في الصباح من كل يوم ، للذهاب إلي دورة المياه وملء الجرادل بالماء .. حتى هذه الدقائق لم تكن صافية ، بل يزيدها صياح السجان وتنبيهاته المتوالية توتراً ، لأنها قد تؤدي إلي تدخل ضابط العنبر بنصيبه من الإيذاء .. كما انتهي أيضًا بهذه الواقعة عهد مزاولة الدكتور حسين كمال الدين لمسؤولياته كمشرف عام ، بحكم انحصاره في عنبر (2) مع المؤيدين .. ولقد كتُب علي الإخوان أن يعيشوا في هذه القبضة القاسية من الجوع والبرد والظلام لمدة عام وأربعة أشهر ، قبل أن يفلتوا منها في يناير سنة 1960 ، لتتلقفهم قبضة أخري أشد قسوة ، ولكن شاء الله أن يجعلها أخف رحمة .. حدثت اختلاجة أخيرة لأبواب الزنازين قبل أن يستحكم الغلق الأخير ، وذلك حين لبي أعضاء مكتب الإرشاد دعوة ممدوح نوير مأمور السجن المنتدب في فترة غياب المأمور ضياء في القاهرة في مهمة عاجلة .. فقد أراد ممدوح نوير – لمعرفته السابقة ببعض الإخوان ، ولوجود ابن عم له بيننا – أن يبذل جهدًا في تلطيف الصراع بيننا وبين الحكومة ، ودخل البيت من بابه الطبيعي ، بدعوة أعضاء مكتب الإرشاد الموجودين بالعنبرين ؛ حتى لا يقع الإخوان – علي حد قوله – فريسة سهلة ، لعصابة متتفعة ، تظاهرت عليهم من رجال الأمن وضباط الإدارة ، والشيوعيين الذين هتفوا لحريق أمتعتنا فزادوا النار اشتعالاً ، وكذلك من بعض المنحرفين من المؤيدين ، الذين يريدون الخروج بأي ثمن ، والكل له مصلحة في الصعود علي أكتاف الإخوان .. فألح ممدوح نوير علي أعضاء المكتب أن يدفعوا عن أنفسهم وعن الإخوان بعض التهم ، التي لا علاقة لها بقضية التأييد ، حفاظًا علي أرواح هذه الفئة المؤمنة من أن تبذل في معركة خاسرة ، ومن أجل هذا الغرض ترخص في فتح بعض الزنازين ، ليتيح للإخوان فرصة التشاور ، كما شجع أعضاء المكتب علي الاجتماع في أي مكان . الاجتماع اليتيم .. وقد شهدت الزنزانة رقم (1) بعنبر (3) الاجتماع الأول والأخير لأعضاء المكتب لهذا الغرض ، والذي استمر حتى غابت الشمس ، وكان جميع من في العنبرين – حتى هذه الواقعة – يعيشون بإحساس تام بالجماعة ، وإن وقع اختلاف بسيط في مفهوم الالتزام ، حيث كان أفراد عنبر (2) يفسرون قرار مكتب الإرشاد – السابق صدوره بسجن جناح – علي أنه موافقة ضمنية علي التأييد العاقل .. وكانوا يرون أن وجود الدكتور حسين بينهم في العنبر يؤيد هذا التفسير .. بينما كان يري أفراد عنبر (3) أن سلوك المكتب العملي يدحض هذا التفسير ، وأن البيان القديم كان للحفاظ علي المؤيدين والمعارضين مرة أخري . وإن سكن المشرف العام لا يعني شيئًا ، فربما صحت وجهة نظره من حفظ المترخصين من مزالق الشطط . المهم .. أن الكل كان يري في هذا الاجتماع القدري فرصة لم الشمل .. وكان المخلصون يتمنون أن ينتهي أعضاء المكتب إلي قرار في هذا الاجتماع الأول ، لأن تأجيل الاجتماع لليوم التالي أعطي الفرصة للمتربصين من ضباط الإدارة ذوي الاتصالات العليا بالمسارعة إلي إحباط هدف ممدوح نوير ، الغريب عن أهدافهم البعيدة وسياستهم الشيطانية ، فأعادوا غلق العنابر للحيلولة دون أي اتصال مرة أخري ، لا بأعضاء المكتب ولا بممدوح نوير ، الذي وضح جليًا أنه لا يملك الكلمة القوية عدد من الإخوان قسرًا من عنبر (3) الخاص بالمعارضين إلي عنبر (2) المخصص للمؤيدين ، لوضعهم في مناخ مساعد ، واختاروا من يصلح لتأثير المناخ فيه ، بعد إبعاده عن مصادر الإشعاع بالقوم والعزم .. ومع الوقت والأحداث عجز الدكتور حسين عن الإمساك بزمام الموقف كما كان يُؤمل . المأمور الرئيسي .. بهذا تأكد الفصل النهائي بين العنبرين ، كل منهما في طريق .. وكان آخر ما فعله عنبرنا أن صدَّرنا كتاباتنا باسم السيد المأمور لا باسم رئيس الجمهورية ، نقتصر فيها علي تمنياتنا الطيبة لمصر ، مبرئين أنفسنا من أن يكون وراء موقفنا أحقاد أو مطامع شخصية ، وإنما هي للحق في ذاته ، ولنكون شهداء علي الناس .. ولم ترفع هذه الكتابات لمن يهمهم الأمر ، لذلك لم ندهش عندما عثرنا علي الأوراق مدفونة في حفرة وراء العنبر ، بعد عدة أشهر من هذه الواقعة . التأييد والمعارضة من جديد .. وهكذا نجح شياطين الأنس مرة أخري في إعادة قصة سجن جناح في شكل جديد .. قصة المؤيدين والمعارضين .. أي : نجحوا باعتمادهم علي الأشواك في إرباك الخطى الثابتة .. فتم الشق الطولي الثاني في مجموعة الواحات .. وبهذا انتهي أمر الجناحين اللذين كانا محور أحداث معسكر جناح .. خرج عن الصف المتأخر عنه خطوة ، وخرج منه المتقدم عنه خطوة ، وبقيت الأمة الوسط التي حملت أمانة الدعوة حتى الآن ، عبر سنين عصيبة بكل أنواع التكدير . العزاء والسلوى .. إن ما حدث من تكدير لم يقتصر علي إخوان الواحات وحدهم .. حيث واصل الجيش المظفر بقيادة محمود خليل انتصاراته علي الإخوان بسجن أسيوط وسجن بني سويف ، وقام بالتفتيشات والحرائق نفسها .. وكانت الحملة أكثر ولوغًا في الإخوان ، لتدخل إ‘دارة السجون تدخلاً مباشراً في فصل إخوان كل سجن إلي قسمين ، مؤيدين ومعارضين .. ثم بترحيل كل من اعتبر معارضًا إلي الواحات ، لينضم إلي عنبر (2) . وعلي هذا ، فقد شهدت الأيام التي تلت تكديرات سجون الأقاليم ترحيلات دفُع من شباب سجن أسيوط ، وسجن بني سويف ، وسجن القناطر ، إلي سجن المحاريق بالواحات .. كما شهدت ترحيلات أيضًا من جميع السجون ، بما فيها سجن المحاريق لعدد من قيادات الإخوان إلي سجن قنا ، المعد لتغريب المغضوب عليهم من مختلف السجون ، فهو سجن السجون جميعًا . فتحنا قلوبنا للوافدين الجدد ، الذين كانوا خير عوض وخير عزاء وسلوى عمن افتقدنا بالتغريب أو بالتأييد .. وكانوا بدورهم أشد منا فرحًا باللقاء , وكأن التاريخ يعيد علي مسرح الواحات قصة المهاجرين والأنصار في عصرنا الحديث ، هجرة ونصرة من نوع جديد ، تتم كلها بين القضبان والجدران .. ولكنها في وجداننا لها نفس المذاق الصدر الأول ، بكل معاني الحب والإيثار . وكان من هؤلاء القادمين الرجل الزاهد المتجرد عبد العزيز عطية عضو مكتب الإرشاد .. الوحيد الذي كان متبقيًا بالسجون من أعضاء مكتب الإرشاد ، ولو كان موجودًا بيننا قبل ذلك لتغير وجه كثير من الأحداث ؛ لما له من هيبة بين الجميع ، ولعلمه ، وسنه ، ومركزه الأدبي ؛ لكونه كان مدرسًا للإمام الشهيد حسن البنا بكلية دار العلوم ، قبل أن يصبح تلميذاً له في الدعوة . قصة من كل سجن .. علمنا بتفاصيل ما جري في كل سجن .. من إيذاء ، وتفتيش ، وتحريق ، وتجويع ، وتسكين قسري للشباب الصغير مع عتاة المجرمين ، وأصحاب الأمراض المزمنة ، وذي العاهات ، بعد التوصية بسوء المعاملة ؛ لإكراه الإخوان علي التأييد .. وعلمنا بحرمان المرضي من الأدوية والعلاج ، ومن قطع الزيارات والخطابات عنهم ، ومن تطليق بعض زوجات الإخوان أو تشريد أبنائهم ، للضغط عليهم ، لكتابة ورقة التأييد إلي آخر صور الإيذاء ، من قلوب فقدت كل معاني الحيوانية ، فضلاً عن المعاني الإنسانية ؛ لأن للحيوان أخلاقًا تردعه , فهو يفترس حتى يشبع ، وهؤلاء يفترسون ولا يشبعون . وفي قلب هذا الظلام ، كانت الصور المضيئة لرجال يكتمون إيمانهم ، من ضباط الإدارة ، أو السجانة ، أو المسجونين العاديين ، منهم من أسرَّ العون ومنهم من جهر به .. وسمعنا في ذلك قصصًا كثيرة هبة الله للمجاهدين في سبيله ، وتكشف عن جنود لا يعلمها إلا هو ، وتطمئن إلي خصوبة تربة مصر بتراث الإسلام ، وإلي أنه ليس في مقدور أي طاغية أن يحلق دين هذا الشعب ، مهما أثقله بالموبقات ، أو أوقفه بالمعتقلات ، إلا إذا استطاع أن يوقف جريان النيل ، أو يطفئ الشمس في سمائه الصافية . من سجن بني سويف : سمعنا قصة الضابط عرابي نائب " الزعيري " مأمور السجن ، الذي جرد الإخوان من كل شيء ، وتفنن في إيذائهم ، حتى دفعهم إلي الإضراب عن الطعام أيامًا متوالية ، أغلقت عليهم أبواب الزنازين بلا أي اكتراث ، ولم يفكر قائد السجن في محاولة تثبيتهم عن الإضراب ، وتطوع بإلقاء نصيبهم من الطعام كل يوم في القمامة ، دون عرضه عليهم ، كما تقضي التعليمات .. أخذ الضابط عرابي يذرع ممر العنبر جيئة وذهابًا ، ويؤكد للإخوان أن الإدارة جادة في إحكام غلق الزنازين وعدم فتحها عليهم ، إلا إذا استجابوا لمطالبها .. وخاطب الإخوان قائلاً :
- أنتم تعرفون أني أتَّقي الله في عملي .. ولا محل لما يحيك في صدوركم عن مسؤوليتي عما ينالكم من تكدير .. فأنا مجرد جندي مطيع أوامر رؤسائي ، وطاعة أولي الأمر واجبة ، والمسؤولية عليهم وحدهم ، سواء كان الحق لكم أم عليكم .. فسلطتي للتنفيذ فقط .
فانبري له الأخ إسماعيل النشار مخاطبًا إياه من شراعة الزنزانة :
- يا عرابي بك .. أتنزل علي حكم الإسلام في تحديد المسؤولية : - نعم . - إذاً فاعلم أن المسؤولية مشتركة بين الرئيس والمرؤوس . - كيف ذلك وأنا مجرد جندي .. وتلك سياسة عليا . - لقوله تعالي : ( ) هل تراه أعفي الجنود ؟ - اطرق عرابي لسماعه الآية الكريمة ، ولم يحر جوابًا ، وظل يذرع الأرض مطرقًا رأسه ثم رفعها فجأة قائلاً : - يا سجان .. - تمام يا فندم . - افتح كل الزنازين .
وكان هذا القرار وراء حل الأزمة .
• ومن سجن القناطر سمعنا قصة تأييدهم الجماعي ، لدفع الأذى عنهم ، وكيف لم تعترف الجهات المسؤولة به إلا إذا حدث الصراع بين المؤيدين والمعارضين ، بما يؤكد تمزيق وحدة صفهم وذهاب ريحهم . • ومن سجن أسيوط سمعنا قصة الرائد مصطفي أبو دومة ، الذي لم يستخف بإيمانه ، ولا يسابق انتمائه للحركة الإسلامية .. وكان مع ذلك مهابًا لدي الإدارة ، محبوبًا من المسجونين ، متعاونًا مع الإخوان في كل الظروف ..
قص علينا الوافدون من سجن أسيوط قصة تصويته في الانتخابات ضد جمال عبد الناصر علنًا ، مما ارتعدت له فرائص زملائه الضباط ، خوفًا علي مستقبلهم .. وقصوا علينا شجاعته النادرة في استقباله لحملة التتار بقيادة محمود خليل ، وكيف صرف السجان المخصص بحراسة زنازين الإخوان ، ووقف بنفسه حارسًا عليها واضعًا مسدسه أمامه علي المنضدة ، في انتظار قدوم الحملة ، ولما وصلت إلي أبواب الزنازين مشيعة بدوي النفير مزودة بالسلاح والعصي فاجأهم صوته القوي ..
- قفوا مكانكم .. اعلموا أنني المسؤول شخصيًا عن أرواح هؤلاء الإخوان .. ومن حقكم دخول الزنازين للتفتيش .. ومن حقكم أيضًا إحراق كل شيء ولكن إ‘ن خرجت رصاصة واحدة إلي صدر أي أخ فستكون الرصاصة الثانية من مسدسي هذا فيمن أطلقها .. والآن يمكنكم أن تبدأوا ..
بهت محمود خليل والذين معه من مختلف الرتب العسكرية ، وشلتهم المفاجأة تمامًا ، ولم يصدقوا آذانهم لسماع هذا التحذير من رتبة عسكرية أصغر ، ولم يصدقوا أبصارهم وهي تري المسدس يلاحقهم في ظهورهم .. وأظهروا شجاعتهم في التفتيش والإحراق ، ولم يتجاوزوا ذلك إلي حقيقة قصدهم ، وهكذا صرف الله كيدهم .. ودفع الرائد المسلم ثمن شجاعته بنقله إلي سجون أخري ، انتهت بإحالته إلي الاستيداع .. وأخذت السلطة من ذلك درسًا مفيدًا طبقته في محنة سنة 1965 ، جعلها تعين قواد كل المعتقلات وكل الأطباء من المسيحيين ، حتى تضمن عدم تحرك عاطفة الإسلام في صدورهم . أنستنا قصص إخواننا الوافدين كثيرًا من المعاناة ، وهنأناهم بوصولهم إلي موكب المعتدلين . ومن عجب أن يصبح هؤلاء المعتدلون هم أخطر الجميع ، في نظر الحكومة بعد ذلك ، وأن ينقلبوا إلي أصلب المعارضين ، أو كما وصفهم جمال عبد الناصر أمام المؤتمر الطارئ في أعقاب انتفاضة الطلبة والعمال في فبراير سنة 1968 بأنهم " الجيش العقائدي للإخوان المسلمين " . أو علي حد تعبير حسن طلعت مدير المباحث العامة ، عند اجتماعه بهم بمعتقل طره السياسي عام 1969 ، علي رأس خمسة عشر عامًا من السجن والاعتقال لإرغامهم علي التأييد :
- أمازلتم ترفضون الخروج ، وتأبون الاستجابة لمطالبنا حتى اليوم ؟ .. ما هذا الجبروت ؟ الفصل السادس : • عام ونصف في بطن الحوت ..
( ) صدق الله العظيم .
ألم أقل لك من قبل أننا فيما نشهد من أحداث إنما نفقه معها تفسيراً فريداً لمعاني القرآن الكريم ، لا نتلقاه من بشر ، وإنما تنهله أرواحنا من أسرار القدر ، حتى أن عقولنا وقلوبنا لتخرج من ألفها كما تخرج الثمرات من أكمامها ؟! فكل شيء في كياننا يدرك مع منطق الحدث الجديد من أسرار الآيات وحكمتها ما لم يكن يدركه من قبل ، وما لم يكن ليدركه مهما أوتي من ظاهر العلم ، بعيداً عن هذه الأحداث والتجارب بصورتها الفريدة التي مرَّت علينا .
وإلا فكيف كان من الممكن – بكل أدوات التفكير – أن نحس بحركة القلب الممتحن بالبلاء المبين حين يلتقمه الحوت ؟! وهل يستوي حال من يسبح الله وهو بين فكي البلاء ، وحال من يسبحه سبحانه وهو آمن في سريه معاف في بدنه ؟! لاشك أن مسافة نفسية أو قليية كبيرة ستظل من يعلم ومن يعمل .. بين من يعمل ومن يجاهد .. بين من يجاهد ومن يجاهد ويمتحن .. مسافة قليلة قد تؤدي إلي فوارق فكرية بعد ذلك ، ما لم تصن بموازين الشرع وأدوات للنظر السديد ، وحتى يصبح حامل العلم صاحب حال ، وصاحب الحال محصنًا بالعلم , لا مناص من معاناة التجربة بالجهاد أو بالابتلاء للأول ، وبمكابدة الدرس والتحصيل للثاني .. وما أكثر صور الانفصال في حياة من الفهم والسلوك لم يكن موجودًا ولا ملموسًا من قبل .. تيار قادر علي مواجهة الجبال ، علي تغيير الحياة .. وذلك سر الفعل الرباني في تربية أوليائه .
بالابتلاءات والمحن :
لهذا كانت تنطلق ألسنة أرواحنا ونحن في بطن الحوت بدعاء سيدنا يونس – عليه السلام - ، وبدعاء الكرب العظيم المأثور عن رسول الأنام .. وغير ذلك من ذخائر السنة والقرآن .. وكانت هذه الأدعية لها وقعة القلبي الجديد تمامًا عما اعتدناه في العافية .. كانت أرواحنا في بطن الحوت شديدة القرب من روح سيدنا يونس ، وقلوبنا كانت تحس بنبض قلبه ، وخواطرنا تتجاوب مع خواطره ، حتى لكأننا معه في ظلمات البحر ، أو لكأنه معنا في ظلمات البر ، قبل أن يستجيب الله دعاءنا ويكشف ما به ، أو ما بنا من ضر .. وإذا كان الجميع قد وعي الدرس من سجن يوسف – عليه السلام – من قبل ، فإنهم اليوم يتتلمذون علي ذي النون – عليه السلام – في درس جديد . وأفادنا تقلب الأحداث وتنوع الظروف وتغيير الأحوال فقهًا بقصص الأنبياء جميعًا ، الذين ضربهم الله مثلاً وأقامهم مثلاً ، وجعلهم عزاء لكل من تشابهت ظروفه مع واحد منهم .. فهذا العدد المحدود من الأنبياء والرسل الذين قصهم القرآن علينا من مجموع الأنبياء والرسل البالغ عددهم 124 ألفًا كما ورد في الأثر منهم 113 رسولاً ، وخمسة من أولي العزم ، وخليلان للرحمان هما محمد وإبراهيم – عليهما السلام – أقول : إن هذا العدد المقصوص علينا قد أوفي بالغرض في استيعاب كل ظروف البشر عامة ، والدعاة إلي الله خاصة .. فالسجون ظلمًا له في يوسف – عليه السلام – عزاء وأسوة حسنة ، ومن التقمه حيتان البحر والبر له في يونس عليه السلام عزاء وقدوة حسنة ، والمبتلي في أهله وبدنه له في أيوب – عليه السلام – عزاء وأسوة حسنة ، والمبتلي بالملك والسلطان له في داود وسليمان - عليهما السلام – قدوة حسنة .. أما من جحده أبوه أو عقه ابنه . أو استعصت عليه زوجته ، أو جفاه نومه فسيجد له في إبراهيم ونوح ولوط وموسي – عليهم أفضل الصلاة وأزكي السلام – عزاء وأسوة حسنة .. وهكذا كنا نجد في قصة كل نبي عبرة .. نلتمسها أمام كل حال يمر علينا ، أو مع كل ظرف يحيق بأخ منا كمن يطلَّقوا منه زوجته ، أو قطعه أهله ، أو دهمه مرض خبيث .. إذ كان لنا من نور الأنبياء إلي الرشاد سبيلاً ، مثلما كانت لنا هذه الأنوار من المصطفي صلي الله عليه وسلم ، الذي جمع الله فيه كل الصفات في قوله تعالي : ( ) لقد توهمت السلطات أنها وضعتنا في غيابة الجب ، أو في بطن الحوت ؛ حتى تفني أجسادنا أو نهلك بمرور الزمن ، مثلما تبلي نفوسنا أو تهن روابطنا بوقوع التأييد .. وما دروا أننا دخلنا مدرسة الأنبياء ، الذين جعلهم الله أسوة وعزاء في الدنيا وحجة يوم القيامة .
عندما يموت الشعر والأدب ..
مهما اجتهدت في تصوير صور الإيذاء ، ومقابلها في نفوسنا من مشاعر الإيمان والصبر ، وفقه القرآن ، فإني لن أصور إلا النزر اليسير منها ، ولن أستخرج من كنوز مشاعرنا إلا ما هو أقل من ذلك .. لم يعد الشعر والأدب بقادرين علي أن يمدانا بطاقة الاستمرار ، وأخليا مكانهما لدور القرآن ، لذلك فقد الكثير من الشعراء والأدباء الحماس لهما ، ورأوهما دون ما ينشد صدق التعبير ، من شكل ومضمون ، وكنت كلما عانيت أحدهم علي عدم تسجيل ما نلقاه اعتذر قائلاً : يا أخي ، إن أي تسجيل فيه إهانة كبيرة للحقيقة ، بل فيه إساءة إلي التاريخ .. ولكن هذا المنطق لم يقنعني فما لا يدرك كله لا يترك جاه .. لذلك جاءت محاولات الكتابة ممن ليسوا من فرسان هذا الميدان ، عندما وجدوه خاليًا من فرسانه .
الحياة في بطن الحوت ..
والآن ، كيف جري علينا القلم في بطن الحوت المسمي بعنبر (3) .. أو عنبر المعارضين .. طبيعي أن تنقطع الصلة بالدنيا وبأقربهم إلينا فيها ، وأولهم الأهل ، فلا زيارات ، ولا مراسلات ، ولا صحف ، ولا إذاعة ، ولا أمانات .. ثم زادت العزلة حتى في بطن الحوت بألا يفتح زنزانتان معًا في بطن واحد ، لأي سبب من الأسباب . ومع هذا لم نعدم وسيلة في تنظيم أمورنا ن ولعبت النوباتجية وشراعات الزنازين دورًا كبيرًا في تنظيم الاتصال ، بل وفي انتخاب قيادة من خمسة أفراد ، أكثرهم أصواتًا هو المسؤول العام ، تحت إشراف أحد أعضاء المكتب الرسمي بالمشرف العام .. وقد قامت حياة هذه المجموعة علي الحب الخالص والثقة التامة والانسجام الفكري ، ومن ثم فقد عجزت – أمام وحدتهم القلبية والفكرية والتنظيمية – أقسي المحاولات في النيل منهم أو من توهين روابطهم .. ومن ذلك اليوم حتى نهاية السنوات العشر ، وتحت كل المطارق التي صوبتها إلينا أشرس الأجهزة لم يظفروا إلا بتسعة عشر أخًا ، كانوا هم ختام قصة التأييد .. وقد قدر لهذه المجموعة أن تنتصر علي كل أساليب الطغيان ، أو تعيد إلي أنفسنا الثقة في وصية الإمام الشهيد حسن البنا لإخوانه : " أنا لا أخشي عليكم الدنيا لو اجتمعت ، ولكن أخشي عليكم شيئين : أن تنسوا الله فينسيكم أنفسكم ، أو تنسوا إخوانكم فيصير بأسكم بينكم شديد " .
شعار المجاهدين ..
ودخلت كل زنزانة خلوتها مع الله في يقين تام ، بأن قدر الباطل لن تنال من قوة الحق شيئًا .. كيف وهي تتمثل شعار المجاهدين : سجني خلوة ، ونفيي سياحة ، وقتلي شهادة . كانت كل زنزانة تمضي سحابة نهارها في الصلاة لميقاتها ، أو في قراءة القرآن ، أو في التمرينات الرياضية ، أو في مباريات الشطرنج الذي تصنعه من لباب الخبز .. وشغلنا التنافس في حفظ كتاب الله عن الإحساس بوطأة الزمن ، وعندما جردتنا حملة محمود خليل من كل شيء كانت فرحتنا لا تقدر بعدم فطنتهم إلي وجود المصاحف معنا .. فهي الثروة التي لا تقدر بمال في مثل هذه الأوقات العصبية . رغم البرد والجوع ، فقد سجلت هذه الفترة أعلي نسبة من حفظ القرآن : وكان طبيعيًا أن يترنم سعد سرور وقرينه أحمد حسين بهذا الشعور في إحدى روائعهما ، عندما علا صوت زنزانتهما بنشيد الكتاب :
أفديك بروحي يا كتابي ومهجتي أفديك بدمي وما ملكت بدنيتي
أنت دليل ورمز مجدي وعزتي وأحفظ عهودك عمري ما أنسي بيعتي
أفديك بروحي يا كتابي
وسجلت هذه الأيام أكبر نسبة من حفظ القرآن الكريم بين جدران سجن المحاريق ، كان يقتلنا البرد والجوع من الخارج ، ويحيينا القرآن من الداخل . حتى إذا جن الليل كان لكل زنزانة برنامجها الخاص علي مدار ليالي الأسبوع ، من محاضرات وندوات ، ومع تخصيص ليلة أسبوعية للسمر ، ونروّح عن أنفسنا فيها بالمسابقات الأدبية والثقافية ، والنمر الجماعية ، والأناشيد والأغاني ، والنكات .. وكان الشيخ أحمد " المنلوجست " هو العملة الصعبة التي تخطط الزنازين لتهريبه إليها ، ليحيي ليلة سمرها بروائعه من تأليف وتلحين سعد سرور . كنت أشارك بنصيبي من السمر بتقديم بعض الأغاني وإلقاء قصيدة غير عصماء تجمع بين الفكاهة ونقد الأشخاص .. وكان ضحكنا بحساب ، حتى لا نتسبب في تكدير الجميع بإفسادنا لجو الكآبة والحزن المستهدفين من الإدارة ، لإحكام الضغط علينا .. وكنا بدورنا لا نتكلف جو المرح ولا الضحك ، بل كانا نعمة مهداة إلينا عبر عنها أحد الإخوة قائلاً :
- إن الضحك عبادة .
حتى إذا ما أطفئت أنوار الزنازين في موعدها أو قبل موعدها عقابًا علي حدوث السمر ، كان للظلام مكان في برنامجها .. أما إذا أخطأ الإخوة بسبب الظلام الحالك فشرب من جردل البول ، أو تبول في جردل الماء فإننا نظفر بليلة مليئة بالضحكات والتعليقات .. ومثل هذا الخطأ بين المسجونين العاديين كفيل بإشعال معركة حامية بينهم . الجوع والبارد .. كان القاسم المشترك بين جميع الزنازين علي مدار اليوم والليلة هو الجوع والبرد ، فالمصرف لنا من الطعام والغطاء ضئيل جدًا ، بالنسبة للجو الصحراوي .. كانت أجمل هدية يرسلها الأخ لأخيه عبر شراعات الزنازين هي كسرة خبز .. ويوم أن احتفلنا في الزنزانة بعيد ميلاد الأخ الغمراوى كانت مفاجأة الحفلة تورتة مرصعة بعيدان الكبريت .. وهذه التورتة التي نجح وزير تموين الزنزانة في تدبيرها عبارة عن رغيف من الخبز مدهون بالعسل ، تقاسمناه نحن العشرة عقب الحفل في نهم وامتنان .. كثيرًا ما اضطررنا بعد مجادلات إلي رغيف الصباح في المساء ثم ندمنا إذا طلع الصباح علي بطوننا الخاوية .. عجزنا عن حل المشكلة بالصيام بعض أيام الأسبوع .. شهدت أحد الإخوة وقد ازدادت حيرته من هذه الحالة المستمرة ، فقام بالتهام الأرغفة الثلاثة التي تخصه فور استلامها ، ولما عاتبناه اعتذر بأنه يريد أن يشعر أنه قد أكل حتى شبع ، ولو مرة واحدة .. عاد أحد الإخوة من المكاتب صامتًا ، علي ملامحه الظفر ، فشككنا في الأمر ، وقمنا بتفتيشه ، فعثرنا علي شقفة من الخبز الجاف ، وجدها في شباك مهجور خلف العنبر ، وعلي التو تقاسمناها ، وكان نصيبه منها لقمة .. لم تكن المشكلة في صغر حجم الخبز فقط ، بل في ضآلة ما يقدم معه أيضًا .. فماذا يعني فنجان صغير من العسل الأسود لعشرة أفراد ، لا تكاد الأيدي تصل إليه مرة واحدة حتى يتبخر .. وماذا تعني قروانة واحدة من الفول المغطي وجهه بالسوس ، حتى لتحبسها طبقًا من الملوخية ، مما جعل الإخوان يسمونه سوس بفول ، وماذا تعني قروانة باذنجان مُر المذاق في العشاء ، أو مثيلتها من البطاطس أو الفاصوليا بالتناوب ، كل أربعة أشهر علي مدار . كذلك كانت حيلنا أعجز أمام البرد الشديد .. كنا نستيقظ لصلاة الفجر وكأن في ظهورنا قطعًا من الثلج .. وما أكثر الذين أصيبوا بأمراض روماتيزمية أقعدتهم عن الحركة تمامًا .. وما أكثر ما عاني كبار السن وعانينا معهم ؛ لأن إدارة السجن لا تنشط في علاج المريض إلا إذا كتب تأييدًا للحكومة ، كانت تدفعنا عواطفنا نحو من يسقطون صرعي المرض بطلبنا منهم التأييد ، ليظفروا بالعلاج ، ولكنهم يأبون علينا ، وكم في هذا من قصص تروى لنموذج فذ من الرجال . كان هناك ما هو أعظم من الدواء ، ولا يكلف الإدارة شيئًا ، ويقوم بشفاء الكثير من الأمراض وهو الشمس ، التي حرمنا منها أشهر طويلة ، حتى شحبت الألوان وعجزت التمارين الرياضية عن تعويضها .. كنا نتناوب تعريض أطراف أجسامنا لشعاع الشمس الذي يتسلل إلينا في الضحى .. مد إليّ أحد الإخوة يده قائلاً :
- انظر .. فوجدت خطًا أحمر علي ذراعه .. تمامًا كضربة السوط . - عجبًا .. من أين جاءتك ضربة السوط هذه ؟ - إنها من أثر سقوط الشمس عليها . - إلي هذا الحد يكون أثر الشمس علي صحتنا ونحن لا نشعر بنعمتها الكبرى ؟! وقد استبشرنا عندما علمنا أن وزير الصحة نصار وصل إلي السجن .. وركزنا جميعًا في شيء واحد واقعي وبسيط في مقدوره – حسب تصورنا - .. وهو السماح بعشر دقائق شمس في اليوم للمريض فقط .. واستمع إلينا ولم يستطع تنفيذ مطالبنا .. كنا نتحدث كثيرًا عن الشمس في الزنزانة ونتساءل فيما بيننا .. هل سيجيء اليوم الذي تغمرنا فيه أشعة الشمس بلا رقيب .. لك الله يا أخت يوشع ، فقد كنا عن حقيقتك غافلين .. شأننا مع كثير من النعم التي أفاأها الله علينا .
ومن مشاعر السعادة والاطمئنان التي كنا نحس بها رغم الجوع والبرد المتواصلين ، خرجنا بدروس كثيرة أدناها أن الشعور الأخوي بين المؤمنين في السراء والضراء كفيل بحل مشكلاتهم الاجتماعية والاقتصادية ، فكيف وقد أفاء الله عليهم مع هذه النعمة الكبرى نعمة الشريعة العادلة التي توفر الأمن للجميع .. وعزمت إن أخرجني الله من بطن الحوت أن أحقق في نطاق قريتي هذا التكامل الأخوي ، بحيث تشترك كل حارة في حظوظ الحياة حتى لو تقاسمت كسر الخبز .. فالسعادة في إيماننا أولاً ن ثم تعميق معاني الأخوة في السراء والضراء ثانيًا ، بحيث يشبع الجميع معًا أو يجوعون معًا ، عندئذ لن يتغير إحساس السعادة في قلوبهم ، لهذا قرن الله سبحانه الصلاة بالزكاة في كل آيات القرآن الكريم .. لأن أي توزيع للثروة بدون إيمان ولا دين سيحيلنا إلي وحوش جائعة ، لا تشبع ، ولا تؤثر ، ولا تستهدف المساواة العملية ، مهما تشدقنا بالشعارات .. هل نحن في بطن الحوت أفقر الناس ماديًا علي وجه الأرض .. وأسعدهم نقمًا .. فمن أين جاءتنا هذه القوة ؟ . هل نجح العزل ؟ هل نجحت هذه القيود في زرع الهموم وإشغال النفوس والإكراه علي التأييد ؟ الواقع يقول : لا ؛ لأن أحداثًا قدرية كانت وراء خروجنا جميعًا مرتين من بطن الحوت . الأولي : مع نزلاء السجن كله ، لمشاهدة جلد مسجون حاول الهرب ، كما تقضي لوائح السجون . الثانية : للصلاة علي جثة عامل ماكينة الماء ، الذي فاضت روحه بمجرد أن لمست قدمه أرض المحاريق فور نزوله من القطار ، بعد أن صدم بهذا الصمت الرهيب ، ولم يجد المأمور بدا من الاستعانة بنا في تغسيله وتكفينه والصلاة عليه ، بعد أن أقنعه المندوبون بضرورة خروج الجميع علي غرار الجلد ، حتى لا يقع في مسؤولية . قلب الأب .. وقد خص القدر هذه المرة واحدًا منا بالخروج ، بدون علم الإدارة .. فبينما كان الأخ فرج جبارة السوداني يرقي علي أكتاف أحد إخوانه يلقي نظرة علي حوش السجن ليمدنا بالأخبار ، إذا به يفاجأ برؤية والده واقفًا في صمت بين حراس الحدود السودانيين .. ظنناه يهذي ثم لم يلبث أن فتح باب الزنزانة في هدوء وهمس ونودي عليه لمقابلة والده ، الذي حضر من السودان لرؤيته ، بعد أن قام حراس الحدود بجهد جبار في تنظيم هذه الزيارة بالاتفاق مع رقباء السجن وسجانيه ، بعيدًا عن علم الضباط .. عاد الأب قرير العين بعد رؤية ابنه الطالب بالمدرسة الثانوية ، والذي حكم عليه بالسجن عشر سنوات بتهمة توزيع المنشورات . الليلة الجامعة .. والواقع يقول : إن هدفهم في العزلة لم يتحقق أيضًا ، بأسباب بشرية صنعها الإيمان ، فها هي الجدران الغليظة تخف ليلة في أول كل شهر عربي ، حين تجتمع كل الزنازين علي مائدة الرحمن في ذكر واستغفار ، يعطينا الإحساس الدائم بالجسم الواحد والقلب الواحد المتصل بالله ، وقد انتقلت هذه الليلة إلي مختلف السجون فشاركتنا .
الفصل السابع : • ما خطب الزنزانة رقم 13 ؟ • الرئة الوحيدة والتنظيم العجيب ..
في الأيام من حياتنا بسجن المحاريق ، وخاصة في أعقاب الحريق الذي أتي علي أمتعتنا ، قبل إحكام غلي زنازين عنبر (3) علينا ودخولنا في بطن الحوت ، كانت تجري إصلاحات كثيرة بأرض السجن ، تستلزم نقل الأحجار والرمال ورفع المخلفات ، وسخروا لهذا العمل فريقًا منا – أي : من المعارضين - ، ونزهوا عنه كل المؤيدين والشيوعيين .. كانوا لا يزيدون عن العشرين أخًا ، يمضون سحابة اليوم في جو مشحون بالعمل والتوتر .. حتى إذا ما انتهت أعمال السخرة نبتت فكرة تحويلهم إلي مزرعة السجن المحيطة بعين المياه ، الواقعة علي بُعْد كيلومتر جنوب المبني ؛ ليقوموا بعزق الأرض وحرثها وتنقية الحشائش ، وبالجملة كل ما يهيئ الأرض للزراعة ، أما ما يخرج منها فإنه يحال بينهم وبينه ، حتى لا تختل سياسة الحرمان والتكدير المضروبة عليهم . كنت واحد من هذا الفريق .. سعيت إلي حتفي بظلفي ، فعندما سمعت رقيب السجن ينادي في طرقات العنبر :
- هل من متطوعين لينضموا إلي فريق العمل بالمزرعة ؟ ناديت بأعلى صوتي اكتب اسمي .. فتعجب إخوان الزنزانة قائلين : - هل جننت .. لقد بح صوت الرقيب دون أن يجاوبه أحد .. لرؤيتهم مصير إخوانهم العشرين الذين يعملون في إصلاح السجن وتنظيفه ، فكيف يذهب الإنسان إلي هذه السخرة طائعًا ؟! - قلت : كلمة المزرعة تشدني .. ولها سحر لا يقاوم لدينا نحن أبناء الريف .. وكل أعمالها الشاقة ستكون محببة إلي نفسي .. - والمعاملة القاسية من السجانة في التفتيش ، والقرفصاء ، والتشديدات ، والتعليمات ، والاستفزازات .. كيف ستصبر عليها ؟ - كل شيء يهون من أجل عيون المزرعة ، وما قد يأتي من ورائها من صلة بالعالم الخارجي .. لابد لهذا الحوت من رئة بها وإلا اختنق .. فلنكن نحن هذه الرئة التي تؤدي مهمة الشهيق والزفير للجميع .. ويتدخل الأخ البنان في الحديث بروحه المرحة : - دعوه يا إخوة ، فإنه صاحب مبدأ ولو إلي أسوأ .. ويتضاحك الباقون قائلين : - بل هو دبُّور زنَّ علي خراب عشه ..
كادت كلماتهم تنال من عزمي ، لولا أن صوت الرقيب قطع عليَّ التفكير عندما وجدته أمامي علي شراعة الزنزانة يسألني عن اسمي .. قُضي الأمر ، ولم يعد لي خيار في التخلي كالمنتحر لقي بإرادته مصيره المحتوم .. وجلست أشارك إخواني الضحك ، والتنبؤات السيئة لي وللقلة المنتحرة معي من الزنازين الأخرى .. زنزانة رقم (13) .. قامت إدارة السجن بتسكين فرقة المزرعة في زنزانة واحدة هي رقم (13) ؛ حتى يعامل أفرادها بمعاملة خاصة ، لا تخل بسياسة الفتح والغلق لزنازين العنبر .. وعشت في الدوامة اليومية التي تبدأ في الصباح بصياح السجانة علي العمل ، في أعقاب جولة التفتيش التي تشمل أغلب أيام الأسبوع .. ومع الإدارة بأن العنبر علي البلاط إلا أن التعليمات تقضي بتوالي التفتيشات ؛ لإشاعة القلق والضيق باستمرار ، وأيضًا لتقوية دواعي الاحتكاك ؛ لأن لديهم رخصة تطويره إلي الاحتكام إلي السلاح .. بعد خروج طابور المزرعة يبدأ الروتين اليومي بالجلوس القرفصاء ، ثم العد عدة مرات ، ثم تتوالي التنبيهات والتحذيرات ، وأخيرًا ينادي الجاويش :
- دوغري .. فنهب واقفين ، ويبدأ السير ، وحولنا السجانة بالعصي ، ومن ورائنا عدد من المسجونين العاديين المخصصين للأعمال الخفيفة ، ويحاذينا عن بعد جنزير من رجال الكتيبة المسلحين بالبنادق .. ويبدأ الجاويش عبد النبي يصول ويجول طول الطريق ، وكأنه يقود فيلقًا حربيًا منتظم الخطى ، وأحيانًا يهوى بعصاه الغليظة علي ظهور المسجونين ؛ لإرهاب الباقين ونحن في مقدمتهم .. وكثيرًا ما تحينا الفرصة لنصحه بالإقلاع عن ذلك ، ولكنه كان كتلة صماء من التعليمات . وتكرر قصة الجلوس التحذيرات فور وصولنا إلي المزرعة ، وقبل ذهابنا إلي موقع العمل . كان طابور المزرعة صورة مصغرة لطابور ليمان طره ، الذي انتهت مأساته بالمذبحة الشهيرة .. ولا ينسي الجاويش عبد النبي أن يوجه تعليماته الأخيرة إلي حرس الكتيبة قبل انتشارهم علي حدود المزرعة قائلاً لهم : - إذا حاول أحد من هؤلاء المسجونين الاقتراب من أسوار المزرعة أطلقوا عليه النار فورًا ، وفي اليوم التالي سيرقي من أطلق النار ويأخذ شريطًا آخر ...
ثم يلتفت إلينا قائلاً :
- حد يغضب من هذا الكلام ؟ فيرد عليه أحد الإخوة الظرفاء : - وهل ضرب النار يغضب أحدًا ؟! ويضحك الجميع .
وكم أوقعنا الجاويش عبد النبي في مشكلات مع مأمور السجن ، وكم عانينا من عقليته الجامدة ، وقد قدر لي أن أري هذا الرجل في آخر عهده في مصلحة السجون عام 1964 بسجن القناطر الخيرية ، بعد أن رقي إلي رتبة صول ، ولكنه كان قد فقد كل قدرته علي البطش ، وبالتالي لم يستفيد من الترقية ، حيث أصابه المرض والهزال الشديد ، وكان يقبع أمام باب العنبر لا قدرة علي أمر أو نهي ، والذباب يغطيه من كل جانب ، وكانت تأخذنا الشفقة به فنحسن إليه بكل ما تصل إليه أيدينا ... الرئة الوحيدة .. رغم المعاناة اليومية من هذا الطابور إلا أنه كان في النهاية هو الرئة الوحيدة التي حفظت علي الحوت الحياة .. فكمية " السَّريس " التي نهربها معنا من المزرعة يوميًا للزنازين ، كانت ذات نفع كبير طبيًا للمحرومين من الشمس ، ومن الغذاء الكامل .. وعن طريق هذه الرئة كنا علي صلة بالأحداث السياسية ، إذ كنا لا نترك أي قصاصة من ورق يتقاذفها الهواء يكون فيها خبر صحفي ، فضلاً عن همس بعض السجانة لنا بما يسمعونه في خيامهم من شتى الإذاعات ، ولم يكد يمر علينا عام وعدة أشهر علي هذا الحال إلا وقد ألفنا هذا اللون من الحياة ، وتكفينا مع ظروف السجن ، وتمكنا من تدبير أمورنا ، وقامت عاطفة الشعب المصري الفطرية نحو الإسلام دور كبير في تخفيف هذا الواقع عنا .. فكنا نجد العون من مختلف الفئات حتى حراس الكتيبة .. كانوا يتغاضون عن اتصالات بأهالي الواحات علي حدود المزرعة ، حتى أصبحت تلك الحدود سوقًا يومّيًا لشراء التمور والبيض والسكر والشاي وغيرها من الأشياء .. وكانت الإدارة تستبطئ حدوث النتيجة المتوقعة من هذه المعاملة الشاذة ، وهي جنوحنا إلي التأييد ، ولما طال انتظارها ومرت الشهور دون ثمرة ، هداهم تفكيرهم إلي أن يجربوا معنا نوعًا جديدًا من الضغط النفسي علينا ، بتسريب الأخبار السيئة عن الأهل ؛ ليكون ذلك أثره في إضعاف المقاومة . وبدأوا في السماح لنا باستلام الخطابات بعد أن تمر علي المصافي ذهابًا وإيابًا ، بحيث لا يصل إلينا إلا كل ما هو محزن ومسيء .. وبدأت المفاجآت تتوالي علي الإخوان ، وكانت أجهزة الأمن تحث الأهل علي ذلك ؛ لما سيؤدي إليه هذا الأسلوب من حمل الإخوان علي التأييد .. فالضغوط المادية من الداخل تلتقي مع الضغوط النفسية من الخارج لتحقيق الهدف المطلوب .. تلقيت نصيبي من البلاء عندما تسمرت عيناي في خطاب علي نبأ مقتل عمي عبد المنعم ناظر المدرسة .. وعمي عبد المنعم يشكل في حياتنا ركنًا كبيرًا .. وكان برغم ظروفه السيئة التي سولت له بعض جرائم القتل يتمتع بصفات فطرية طيبة ، كنت أرجوه بسببها لخير أكبر مما عاش منغمسًا فيه .. وقد نجحت في تصحيح مساره إلي شعبة الإخوان عدة مرات ، ولكن جاءت الاعتقالات فلم تمهلني لأحقق ما أريد .. وكم من شباب الأمة أو رجالها ضاعت عليهم فرص الهداية ، عندما غابت الشمس من سماه حياتهم وتركتهم في الظلمات .. شغلني هذا النبأ الأليم من عدة نواح ، منها : ما قد يثور في نفوس الأهل من تفكير في الثأر ، فبادرت في الكتابة إليهم أحذرهم من ذلك ، لأن عمي لقي جزاء ما قدم عسي الله أن يكفر عنه بهذه النهاية .. هذا أمر أبرأت به زمتى أمام الله ، ولم أصغ فيه لنداء الجاهلية .. لكن بقي أمر آخر استشعرت وطأته مع الأيام ولم أجد له حلاً ، وهو خاص بزوجة عمي الشابة التي ترملت ، وأطفالها الذين تيتموا .. لقد شعرت علي البعد بمسؤولية كبيرة تجاه هذه الظاهرة الجديدة في أسرتنا .. فهذه هي المرة الأولي التي أحسست فيها بمشكلات الأرملة الثكلى .. مشكلاتها النفسية والمعاشية .. لبثت أقلب هذه المأساة الاجتماعية في نفسي ، وأعدد ما وراءها من مآسي وشرور ، أدناها عندما تغلظ مشاعر المرأة وتقسو طباعها وهي تواجه بالحرمان مسؤولية حياتها الجديدة .. وهي التي خلقت لتبث كل رقيق وجميل في النفوس ، فكيف تستقيم الأسر بهذا التناقض ؟! قلما تظفر مثل هذه المرأة في مجتمعاتنا المريضة برجل آخر ، يقيم حياتها ويحفظ عليها توازنها النفسي والمادي .. ومن تضعها المقادير في هذا الحال ستنطوي علي أقسي ما تنطوي عليه الجوانح من آلام وأحزان أن يحس بها أحد ، وأجهزة إعلامنا تتخذ من أمثالها للفكاهة والسخرية ، ومن ثم فلا يجرأ أحد من الناس علي التقدم لمثلها دون أن ترميه النظرات بالشرر ، ومن وجد لديه الشجاعة لتخطي هذه التقاليد فإنه لا يكون في الغالب هو الإنسان المناسب ، الذي تطمح إليه أحلام المرأة في الاستقرار ، فتمد إليه هي الأخرى يدًا مرتعشة وسط نظرات الاستياء والاستنكار ، فالمغامرة هنا تحيطها الخسائر من كل جانب ، وأول ضحاياها الأبناء ، لكن لماذا شغلت نفسي بهذه القضية إلي هذا الحد ، وأمامي من المشكلات ما ينسيني نفسي ؟ وأجيب علي التساؤل : هذه خصيصة قلوب الدعاة ؛ لأن فيها نورًا من الله يجعلها تتسع لأكبر المشكلات العالمية ، ولأصغر المشكلات الإنسانية .. فالدعاة ليسوا من الذين يتحسسون الطريق في الظلام , بحيث تستغرقهم المشكلة الوقتية أو الجزئية .. والمُسَلَّم بنعمة هذا الدين يظل قادرًا علي مباشرة كل مسؤولياته في كل اتجاه ، بالمستوي نفسه من الاهتمام ، فما دام له نور يمشي به في الناس ، ويزن الفعل بميزان الثواب والعقاب ، فهو في كل أحواله في عبادة . قف للأحلام السعيدة .. فستبدأ الحكومة سياسة جديدة .. كان أملنا أن تسير أحوالنا نحو الأحسن .. ولكن كان للحكومة هدف آخر لم يتحقق ، وهو إكراهنا علي التأييد ، فكان لابد لها من تغيير طاقم السجن كله ، من مأمور ، وضباط ، وسجانة ؛ لتبدأ معنا من جديد بطاقم آخر له شهرة في البطش والتشديد علي رأسه الطاغية فريد صاحب التاريخ الأسود في سجن قنا .. سجن التغريب .. وقد نزلت علينا هذه الأخبار نزول الصاعقة ، وتبخرت معنا أحلامنا السعيدة ..
الفصل الثامن : • واكتملت عناصر المحنة الثلاثة .. • لماذا منع الشيوعيون والسجانة من الاختلاط بالإخوان ؟
وجاء الطاغية الذي كنا نخشاه ليصنع الموت للذين يصنعون الحياة ، ولينسج من ظلام السجن أكفانًا للذين ينسجون من خيوط النور أثوابًا سوءات الناس .. وَصَاحَبَ وصوله توتر عام ، وسكون مخيف من أرجاء السجن ، ذكَّرنا بأيام الحملة الغشوم التي أشعلت الحريق ، لكن تلك الحملة لم تدم إلا أيامًا قليلة ، فكيف بهذا الإعصار الجديد الذي سيدوم أشهرا طويلة .. لقد اختاروه لهذه المهمة الصعبة بعد أن ذاع صيته كقائد لسجن التغريب بقنا ، وها هي ظهور الإخوان تحكي قصته معهم ، بعد أن وفدوا إلينا من هذا السجن ؛ حيث تشوهت ظهورّ ، وظلت أخري تُعَالَج حتى نهاية سنوات السجن العشر ، لكن هل كان ترحيلهم إلينا قبل وصول المأمور عن خطة نفسية مبيتة محض مصادفة ؟ الله أعلم ، لقد رأينا الانقباض يرتسم علي وجوه هؤلاء الإخوة ، وإن جهدوا في إخفائه عنا .. لكن حكاياتهم السابقة عنه كانت ماثلة في نفوسنا .. لقد حكوها يوم أن كانوا لا يتوقعون انتدابه لهذا السجن أبدًا . لقد قضي علي التو علي الرئة الوحيدة التي كان يتنفس منها عنبر (3) بتوقف طابور المزرعة ضمن كل شيء توقف في السجن ؛ انتظارًا للسياسة الجديدة . معارضون .. " النفير " المنفر يدوي ، و" انتباه " اللعينة تتوالي ، وبعدها دلفت طغمة الشر من ضباط وجنود إلي العنبر ، يتقدمهم المأمور فريد شنيشن ، وهو ظالم لنفسه لم يلبث أن أصلي كل زنزانة دخلها نارًا من وعيده وتهديده ، حتى انتهي إلينا فألفانا وقوفًا من قبل أن يصل موكبه، وحرمناه بذلك من رؤية انتفاضتنا لدخوله .. لحظة صمت رهيبة .. كل منا يتفرس في الآخر .. كل منا متحفز للآخر .. هو بقامته الطويلة ، وجسمه الممتلئ ، وعينيه الواسعتين ، وألفاظه المستهترة ، وحوله الضباط والجنود لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء ، تطير لكل التفاتة منه ، وتسارع في هواه .. وفي رنة وعيد واستعلاء صكتنا عبارته المفاجئة .
- هل أنتم مؤيدون للحكومة أم معارضون ؟ - معارضون .. قلناها بنفس السرعة والتصميم .. ردَّ لم يكن يتوقعه .. ولا نحن أيضًا .. حيث قد جرت عادتنا في مثل هذه المواقف أن ننفي عن أنفسنا المعارضة والتأييد معًا ؛ لأن السجن بطبيعته ليس مكانًا لإبداء الرأي .. لكن تعاليه علينا قد سهل أمر الرد في هذا الاتجاه القاطع ، حتى لا يكون هناك مجال لشيء يقال .. وكأن نفوسنا المتوترة كانت تتعجل إخراج كل ما في جعبته دفعة واحدة ، فليس للتهديد أي معني إذا ظل الإفراط في القسوة مستمرًا .. ومن ثم فليس من الحكمة أن تجيب الغلاظ بالمنطق والحكمة .. بل يحتاج أهل الغطرسة إلي صدمة كهربائية تطامن من غلوائهم وتردهم إلي ضعفهم .. كل هذا التصحيح قد صنعته فطرتنا السوية تلقائيًا في مواجهته .
إنه لم يستقر بعد علي الخطة التي سيتبعها معنا .. وثمة زنزانة أخري نجت من لسانه ووعيده ، كان فيها الأخ رشاد المنيسي زميله السابق بكلية الشرطة والأول علي طلبتها دائمًا .. والشيء الذي لم يكن يعلمه شنيشن عن الأخ رشاد أنه المسؤول العام عن مجموع الإخوان في هذا العنبر أيضًا .. وقد كان شنيشن وفيًا لهذه الزمالة ، فبش لمرآه وأعطاه حقه من التكريم بعد عتاب خفيف علي موقفه السياسي مع هذه المجموعة المغضوب عليها ، والتي ستلقي أسوأ مصير . أحذيتنا غنائمهم .. انتهت الجولة الاستطلاعية بسلام .. وحرنا في تحليل شخصية الرجل ، وفي الاحتمالات المتوقعة علي يديه .. ولم تلبث الأيام أن أخرجتنا من حيرتنا .. فها هي التفتيشات اليومية تشتد .. ولما كانت الزنازين خاوية ، ولابد للحملة أن تعود ظافرة بالأسلاب والغنائم ، فلم يكن أمامها إلا حمل الأثقال من الأحذية والشباشب وتجريدنا منها .. وما يفلت من ألأيديها نستعمله جميعًا بعد الحركة .. ولقد بالغ المسؤولون عنا في التنبيه والتحذير من أي شيء ممنوع ؛ حتى لا يتخذه المأمور حجة للنيل منا ، وهو الذي أطلق قذيفته بيننا قائلاً : إن من سلطتي أن أصطنع موقفًا يبرر لي قتل أي عدد منكم .. وعندئذ سأقدم لمحاكمة صورية أحال بعدها إلي الاستيداع ، ريثما أتسلم إدارة أي مؤسسة أو شركة بضعف مرتبي الحالي . عناصر المحنة .. وهكذا فقد أنضاف إلي معاناتنا للجوع والبرد عنصر جديد ، لا تتم المحنة إلا به ، هو الخوف مما يخبئه الغد علي يد هذا الطاغية الجديد .. الذي جاء في ذهنه أنه محل ثقة المسؤولين ، اختاروه ومن معه من الضباط والسجانة علي علم ؛ خلفًا لرجال الطاقم القديم الذين اتُهِمُوا بسيطرة الإخوان عليهم ، وأنه لذلك سيحقق ما عجز عنه سلفه . عندما نفقد الأمل .. مرت أربعة أشهر عجاف ، لم يجد فيها شنيشن ثغرة منها إلينا ، كان الإخوان قد أجهدوا فيها صحيًا رغم معنوياتهم العالية النابعة من شدة القرب من الله والشعور بالانتصار .. إلا أن هذه الروح العالية لم تمنع من انتشار أمراض نقص التغذية وأمراض زيادة الرطوبة .. ولم يقتصر الأمر علي الأعمار المتقدمة ، بل وكثر غزوها لأجساد الشباب .. ورفعت إدارة السجن تقريراً عن موتنا البطيء إلي المسؤولين لإخلاء مسؤوليتها ، فجاءها الإذن بإعطائنا جرعة من الحياة في صورة التعامل مع مقصف السجن مرة كل خمسة عشر يومًا لشراء أصناف محددة لا تخرج عن العسل الأسود والطحينة والفاكهة ، وكانت فرحتنا لا تقدر بهذه الكميات المحدودة القليلة ؛ لشدة حاجة الأجسام إليها ، حتى أننا لم ننتظر تعليمات إخواننا بضرورة أكل البرتقال بقشره لتعويض النقص في أجسامنا ، إذ كنا قد سبقنا التعليمات إلي ذلك .. وقد أرانا الله – تعالي – بهذا الخير قدرته علي أن يشقق الصخر ليخرج منه الماء ، فما كان أحد يتوقع ذلك في عهد شنيشن بالذات ، وتذكرت قولاً لأحد الصالحين حين سئل : بم عرفت الله ؟ قال بنقض العزائم .. وهكذا حين لا يكون هناك أمل في البشر يأتي الفرج من الله .. ليتعلم المؤمن درسًا جيدًا في الإيمان ، عدته الذكر والدعاء . بآية حال عدت يا عيد .. مرت أربعة أشهر سمان علي هذا الحال , وبدأت الأحلام السعيدة تتسرب إلي خواطرنا , لكن الاحتفال بعيد النصر وما حدث فيه قضي علي تفاؤلنا بسرعة , وردنا إلي واقعنا الأليم .. كانت فكرة الحفل من بنت أفكار بعض المؤيدين بعنبر (2) هم وبعض الشيوعيين , لتكون مرآة ولائهم للثورة .. وفي الليلة الموعودة أخرجنا علي الفور بسيل من السجانة , وأجلسنا في الجانب الأيمن المخصص لنا من الصوان الكبير المقام بين العنبرين , وفي الجانب الأيسر جلس المؤيدون في المقدمة , يليهم الشيوعيون المسجونون , فالمساجين العاديين , فالسجانة , وبيننا الممر الفاصل , أما الشيوعيون المعتقلون الموجودن بعنبر (1) فقد حرموا لحسن حظهم من هذا الحفل , لأنهم كانوا حديثي عهد بتكديرة , يساقون بسببها كل صباح مشيا علي الأقدام , لإصلاح بعض الطرق حول السجن . تعلقت الأبصار بالباب الذي سيدخل منه المأمور علي رأس ضباط الإدارة لمشاهدة الحفل , وما أن ظهرت قامته المديدة حتى دوت أرجاء الصوان بالتصفيق .. ولم يلبث المأمور أن اعتلي المنصة لإلقاء كلمة الافتتاح .. ولا أدرى هل قال ما قال عن إعداد سابق وخطة مبيتة , أم جاء عفو الخاطر , عندما شاهدنا لا نشارك في التصفيق .. وقد ارتضينا هذا المسلك علي مدار الحفل , خشية التورط فيما لا نوافق عليه , دون قصد الإساءة لأحد . وقد وقف وقفة الخطيب المتمكن , الذي يعرف موضوعه جيدا ويحفظه عن ظهر قلب .. والموضوع في ذهن المأمور من قبل ومن بعد , أو في ذهن المؤيدين ليس هو عيد النصر , وإنما هو موضوع المعارضين أولا وأخيرا .. من هذا المنطلق وجه خطيبنا المفوه كلمة الافتتاح كلها إلينا , أو بمعني آخر صبها علينا حين قال علي دوي التصفيق عند كل مقطع : " إن هذا الحفل صفعة علي أقفية الذين يعارضون الحكومة .. وإن الجمهورية العربية بقيادة عبد الناصر تطلق كالصاروخ , ولن يؤثر المعارضون فيها إلا بمقدار نملة " .. لم نلق بالا لكلامه , واعتبرناه غير موجه إلينا باعتبارنا أصحاب رأي , مجاله خارج الأسوار ولسنا معارضين ولا مؤيدين , وفي كل مرة يدوى التصفيق كان صمتنا يعتبر مقاطعة للحفلة أغني عن أي كلام . بل وإهانة شخصية للمأمور , سيكبدنا ثمنا فادحا .. لذلك كانوا ييممون وجوههم إلينا عند كل تصفيق بعيون ملؤها الاندهاش .. لكن الغضب قد اقترن في نفوسنا بالاستصغار لما يجري ، ولما يقال في الحفل من أزجال وكلمات وتمثيليات مليئة بالغمز والنفاق .. وبتنا بعدها ليلة مليئة بالترقب ، وأصبحنا صباحًا ثقيل التنفس ، لأن فرصة المأمور قد حانت لإظهار مواهبة العسكرية علي الكتيبة العزلاء . ولم يمض يومان علي هذا الحفل ، حتى تم ترحيل جميع المؤيدين إلي القاهرة تمهيدًا للإفراج عنهم ، بعد أن تركوا هتافاتهم عالقة في سماء الصحراء بحياة جمال عبد الناصر لأول مرة في هذه البقعة البكر من الأرض ، التي لم تشهد صراعًا بين الخير والشر من قبل . العاصفة .. وذات صباح قارس من أيام يناير ، وفي اليوم التالي لترحيل المؤيدين ، قمنا من نومنا فزعين علي صرير الأبواب ووقع الأحذية الغليظة ، وهي تجوس خلال الزنازين تدوس كل شيء في طريقها ، وسط عاصفة من النداءات والأوامر بالخروج السريع إلي فناء السجن ، دون توان أو مناقشة . وبعد لحظات كنا نجلس القرفصاء في صمت رهيب ، لا يقطعه إلا حركة الحراس المذعورة ، والكل في انتظار قرارات الطاغية التي سيثأر بها لكرامة الثورة وكرامته الشخصية من موقفنا في الحفلة .. وما هي إلا دقائق كأنها الدهر حتى خرج علينا في زينته يتهادي كالطاووس ، عيناه الجاحظتان تقذفان بالشرر من برج جثته الضخمة .. وكلنا عيون شاخصة وآذان مصغية .. وفي تراخ وتعاظم انشق فمه عن سيل من الحمم :
- " لقد قررت الدولة أن تستفيد من عضلاتكم ، لأنها يئست من عقولكم الصلبة ، وستقومون بشق الترع والمصارف إلي ما شاء الله ، حتى تستجيبوا لما نطلبه منكم " . عندما يفقد الإيمان ..
ران صمت رهيب في أعقاب هذه الكلمات الحاسمة ، لأننا أدركنا منها بحسنا المتمرس علي فهم أساليب الطغيان شيئًا أعمق من السخرة في العمل ، مثلما حدث مع إخوة لنا في ليمان طره ؛ حيث اتخذ الإنتاج وكمياته ذريعة للاحتكاك الذي وصف بالتمرد ، واستدعت دواعي الأمن قمعه بالسلاح ، وكان طبيعيًا وبشريًا – بغير الإيمان – أن تنهار قوى اثنين منا ، فيعلنا علي الملأ تأييدهما للحكومة ، فتسارع الإدارة إليهما بالسكن الخاص ، تعدهم فيه بالمعاملة الخاصة ، وتمنيهم بالفرج القريب إذا ما نشطوا في جذب أحد من المعارضين . تحرش .. انصرف المأمور بعد كلماته القليلة المنتقاة وحوله الضباط إلي الكراسي التي أعدت لهم بجوار مبني الإدارة في الشمس ؛ ليشرف علي حركة تسليمنا أدوات العمل .. وعلي بعد خطوات منه جلس الشيوعيين المعتقلون بأدوات العمل الخاصة بهم . ويبدوا أن المأمور كان يتوقع المزيد من ردود الفعل لكلمته المفهومة ، سواء بتوالي التأييد أو بمواجهة هجوم علينا .. ولما خاب ظنه عمل علي تحريك الموقف من كرسي الشمس .. فأرسل سجانًا ينادي علي السيد محمد حامد أبو النصر ، عضو مكتب الإرشاد ، وأحد رجال الصعيد القلائل المشهود لهم بالرجولة والشهامة والسبق في هذه الدعوة . مشي السيد حامد إليه بخطوات ثابتة مطمئنة ، ووقف أمامه كالعملاق والأسمر ، وفأسه علي كتفه بعد أن أدي التحية العسكرية .. وإذا بالقائد الهمام ينهال عليه وعلي الجماعة بالسباب ، فتركه يهذي حتى أفرغ ما في جعبته ثم سأله :
- هل هناك شيء آخر تحب أن تقوله يا فندم ؟ - فلم يرد ..
فأدي له التحية العسكرية وانصرف عائداً إلينا .. ولم يخبرنا بما حدث إلا بعد أسابيع كثيرة ؛ خشية أن يتطور الموقف .. وكان بهذا مستشعرًا مسؤوليته عن أرواح إخوانه .. ولو علم أن مغبة تصرفه ستكون عليه وحده لسقاه من الكأس نفسها . الموكب المهيب .. توالت النداءات الغليظة بعد توزيع أدوات العمل من " فؤوس " و " كوريكات ومقاطف " ، وخرج طابور طويل من البوابة الشمالية للسجن في اتجاه الصحراء الغربية ، يتكون من مائتين أو يزيد من الشباب المسلم الفتى ، كلهم في العقد الثالث إلا قليلاً ممن هم في حكم الآباء .. ملابسهم زرقاء .. أغطية رؤوسهم بيضاء ، يحملون أدوات العمل فوق أكتافهم المعتزة .. خلفهم يسير طابور آخر من ستمائة شيوعي بملابس الاعتقال البيضاء ، حفاة الأقدام ، وأمام الجميع عربة حراسة تحمل ضباط الحملة ، وخلفهم عربة أخري تحمل ثلة من الجنود المسلحين ، وعلي الجانبين ، " جنزير " كبير من الحراس المدججين بالسلاح . خرج هذا الطابور من الأبواب الضخمة ، وخرجت وراءهم الشمس مسرعة تفرش الأرض بأشعتها الوردية تحت أقدامهم الواثقة ، التي تخط فوق رمال الصحراء سطور قدر جديد . وهناك .. في جوف الصحراء وفي المكان المخصص للعمل وجدنا كل شيء معدًا لاستقبالنا ، وتوقف الطابور إلي أن تمت مراسم توزيع العمل علينا وعلي الشيوعيين ، مشفوعة بالتهديدات اللازمة إن حدث أي تقصير في تسليم المقطوعيات .. مقرونة بأقسى التشديدات العسكرية علي الحراس ، ليراقبوا التنفيذ بدقة ، وليمتنعوا تمامًا عن الحديث مع أي مسجون أو معتقل ، خشية أن نستميلهم إلينا . وانتشر الحراس المسلحون في دائرة كبيرة حول منطقة العمل ، وعلي المرتفعات الجبلية المحيطة بالموقع نصبت المدافع المصوبة نحونا لكل من تسول له نفسه الشروع في الهرب أو التفكير في التمرد . وتنبيه أخير موجه إلينا وإلي الشيوعيين معًا بعدم الاختلاط ، وإلا حاق بنا أشد العذاب .
الفصل التاسع : • هل هو إعداد لمذبحة جديدة ؟ • الفرق بين إيماننا وإيمان الشيوعيين !
طغت فرحتنا برؤية السماء والهواء والشمس بعد الحرمان علي التفكير في العواقب .. كان الواحد منا أشبه بالكتكوت خرج لتوه من البيضة .. كنا نمزح في همس قائلين : ما أجمل الشهادة تحت قبة السماء في الشمس والهواء . وكان مكان السخرة يبعد عن السجن عدة كيلومترات ، عند خيمة بيضاء في قلب الصحراء ، وهناك وجدنا عدداً من مهندسي الإصلاح في انتظارنا ، والكراكات تسوي الأرض إلي أحواض متساوية .
الذئب والحمل ..
تم تخصيص منطقة عمل لنا لا نتعداها , ولا نختلط بمنطقة عمل الشيوعيين , وتم توزيعنا علي فرق .. كل فرقة مكلفة بحفر مسافة محددة من قناة ري تتصل بغير ها من القنوات والمصارف . مع تحذير بأن أي تقصير سيكون جزاؤه التكدير .. ولما هوينا بالفؤوس والأزاميل علي الأرض وجدنا ها صلبة يستحيل حفرها بالمواصفات المطلوبة .. وقد عجزنا بالفعل عن إنجاز المقطوعية ، وجن جنون المأمور ، وتوعدنًا شرًا بعد عودتنا إلي الزنازين .. وتذكرت في هذه اللحظة ما قاله الأخوان اللذان ارتعدت فرائصهما في الصياح حين أعلنا عن تأييد الحكومة .
- إن الحكومة ليست بحاجة إلي إنتاجنا من العمل ، وإنما سيتخذونه ذريعة إلي استفزازنا ؛ ليكرروا مذبحة طره معنا .. وعلينا أن نتعلم من قصة الذئب والحمل ..
تذكرت مقالتها ، وتذكرت أن هذا الاحتمال كان واردًا في تقديرنا .. ولكن ليس بهذه السرعة الفائقة ، بحيث يكون في اليوم الأول لخروجنا . لأنهم كانوا معنا .. أمر المأمور أن يتوقف العمل ، وأن يعود الطابور ، فعاد بهيئته التي خرج عليها في الصباح ، ولكن بزيادة شيء واحد هو تصاعد الغبار من حوله .. غبار التهديدات ، وغبار الصحراء .. فالرمال التي كانت ساكنة لينة تحت أقدامنا في الصباح هي الآن ثائرة غاضبة ، والشمس التي كانت وردية تحولت في الظهيرة سياطًا نارية ، تلهب الأرض وتشوي الأجساد . أحسسنا فور دخولنا من بوابة السجن أن كل ما حولنا ينطق بالشر ، ثم تغير الحال إلي إحساس بالرحمة بعد دخولنا العنبر واستقبال الإخوان المرضي لنا في تلهف وشوق ، كأننا غبنا عنهم شهرًا كاملاً .. لقد عاشوا هذه الساعات في محنة القلق علينا ، التي كانت أشق علي نفوسنا من وجودهم بالفعل في مركز الخطر .. حيث تركوا لخيالهم العنان في تصور ما عانينا .. فكان الخيال أمرَّ من الحقيقة .. فمن يلامس الخطر عن قرب يتحدد له كل شيء في حينه .. الكم والكيف ورد الفعل ، بعكس من يشط به الخيال ، وتتقاذفه الظنون خوفًا علي من يحب .. وكانت فرصتنا لتذكر عمق الحديث النبوي الشريف الذي يشرك أقوامًا لم يغادروا المدينة في الثواب مع من يكابدون الجهاد في الميدان ، لأن العجز أو المرض منعهم من الخروج مع إخوانهم ، ويسوي الرسول الكريم بين تسبيحهم أو دعائهم في المسجد وبين فعل السيف في الميدان حقًا إنها محنة في طيها محنة .. فمازلنا نتعلم في كل خطوة درسًا إيمانيًا جديدًا . مقياس التفاضل .. هذا الاستقبال الأخوي الذي نزل علي قلوبنا بردًا وسلامًا شيء ، وتهديد المأمور وترقبنا لتنفيذ وعيده شيء آخر .. ومن الطبيعي أن تعم النقمة جميع من في العنبر ، حتى المرضي الذين أعفوا من السخرة في الصباح .. لقد استقبلونا بورود الحب ورياحينه ، وأتينا لهم معنا بشوك الجبل وقتاده .. واستعدوا عن طيب خاطر أن يتحملوا معنا كل النتائج .. فإحساسنا دائمًا هو إحساس الجسد الواحد .. عدنا بكل مستوياتنا العلمية والاجتماعية والصحية إلي الاشتراك في شيء واحد ، أعني إلي الاحتياج إلي شيء واحد ، لا ليساوي بيننا – لأننا بالفعل قد تساوينا منذ أن جردتنا حملة محمود خليل من كل متاع الدنيا – وإنما ليفاضل بيننا .. الاحتياج إلي عمق الإيمان بالله واليوم الآخر .. وربما سبق في هذا المقام أقلنا حظًا من الدنيا أو من العلم أو من العافية .. فرحمة الله تتنزل علي القلوب لا علي المناصب والألقاب والأبدان . والله – سبحانه وتعالي – ينظر إلي القلوب والأعمال لا إلي الصور والأشكال اليوم نفهم أكثر من أي وقت مضي معني قول الرسول الكريم : إنما تنصرون بضعفائكم وقوله : رب أشعث أغير ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم علي الله لأبره " .. ونفهم أيضًا امتداحه للأتقياء الأخفياء ، الذين إذا حضروا لم يعرفوا ، وإذا غابوا لم يفتقدوا ، والذين تقل بواكيهم عند موتهم ، هؤلاء هم اليوم الأمراء . دائمًا هناك قيمة للإنسان في هذا الدين العجيب .. للإنسان فيه كرامة حقيقية وغنًي سابغ وتكريم أبدي ، حتى ولو كان مجهولاً في الأرض .. حسبه أن يكون معروفًا في السماء يذكره الله في نفسه أو في ملأ عنده ، ويقول فيه : ما وسعتني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني عبدي المؤمن .. هكذا يتذوق الإنسان معني جديدًا للسعادة ، بعيدًا عن الشهرة والتفاخر والتكاثر والسلطان ، بعكس الأنظمة الأرضية الني لا تكرم إلا الأقوى .. اليوم وبعد تهديد المأمور عشنا فترة تأمل لهذه المعاني الإيمانية ، وفترة تلمس لحاجتنا أولية ، وفترة تلميع هذا السلاح البتار بالذكر والاستغفار في مواجهة هذا الطاغية الجبار . إيمان الشيوعيين .. سألت نفسي أو سألتني نفسي : تري كيف حال الشيوعيين في مواجهة الأخطار وهم محرومون من سلاح الإيمان ؟ أي نوع من الإيمان يمدهم بالصب ويغريهم بالأمل ؟ لم يطل سؤالي ، فقد وجدتهم ذوي تهافت شديد علي أي خبر صحفي أو أي إشاعة علي أي لسان .. سريعي التطير وراء أي حدث سياسي ، بطريقة مرضية ، خرجت في تقديري عن مقتضي الوعي السياسي إلي حالة غير طبيعية .. كانوا يخلعون رغباتهم المكبوتة علي أي خبر أو حدث ، فيحملونه أكثر مما يحتمل أو عكس ما يحتمل بحسب مقتضي الحال .. حتى لكأن نص مقدس .. فأدركت من مخالطتهم أن بوصلة الإيمان في القلوب إذا لم تتجه إلي قطبها الحقيقي أنشأت لنفسها قطبًا وهميًا ، تخلع عليه من فطرتها ثباتًا وعلوًا ودوامًا ، وهو ليس له من طبيعته صفة من ذلك ، فتقف حيث كان يجب أن تتحرك ، وتجمد حيث كان يجب أن تفكر ، وتحلم حيث كان يجب أن تعمل . حملة علي النخيل .. أعود فأقول إننا لبثنا نترقب تنفيذ الوعيد .. ولم نقف موقفًا سلبيًا بل أعددنا العدة لملاقاته .. عدتنا نستمدها دائمًا في مواقف الخطر من قوله تعالي : ( ) فلئن فاتنا السلاح المادي ، فإن معنا سلاحًا أقوى ، لأنه من مدد السماء ، وهو ذكر الله ، وبالفعل نزلت توصيات المسؤولين إلي الإخوان في الزنازين بألا ينشغلوا بالترقب ، بل بذكر الله وترديد صيغة معينة من الدعاء والاستغفار نحو : " حسبنا الله ونعم الوكيل " ، " يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث " .. وكان لها فعل السحر في نفوسنا حتى لامست رؤوسنا السماء .. أمال الله قلوب بعض السجانة إلينا ، فأصبحنا نسمع بآذانهم ونري بأعينهم أولاً بأول ، وسلح به فرقة من السجانة ، تمهيدًا لاقتحام العنبر علينا لتأديبنا .. أقسمت لنا العيون والآذان أن زملاءهم من السجانة في غم شديد لهذا القرار ، وأنهم مازالوا يجادلون المأمور عنا ، ويضعون العراقيل علي طريقه ، وهم بدورهم يخبروننا أنهم إذا غلبوا علي أمرهم فسيقومون بتنفيذ الأوامر شكليًا ، وعلي الإخوان أن يساعدوهم باصطناع الصراخ والعويل .. وأن يعذروهم عند الخطأ جريد شنيشن .. أخذنا نتوقع هجوم الحملة مع كل صرير لبوابة العنبر .. وطال الانتظار حتى هجم الليل وسبقهم إلي ضمنا في أحضانه .. ماذا حدث .. علمنا أنه قد طرأ تعديل علي الخطة في اللحظة الأخيرة ، جعلتهم يؤجلون التنفيذ إلي الصباح ، حيث يتم في موقع العمل ؛ ليكون له مبرر من عصياننا وادعاء تمردنا .. واكتفي المأمور من عقابنا تلك الليلة بقطع الكهرباء عن عنبرنا ، وقطع تعاملنا مع المقصف أيضًا .. وجاء تفتيش الصباح العنيف مكملاً طبيعيًا لهذا القرار ، ومقدمة طبيعية لما ينتظرنا في مواقع العمل ، إذ أتي التفتيش الاستفزازي ، الذي زادت حدته عن كل ما سبق بإعدام مدخراتنا من مشتريات المقصف ، وأفرغت أوعية الطحينة والعسل الأسود في طرقات العنبر ، ولأول مرة نري بحر الطحينة الذي تتحدث عنه الأمثال العامية .. وخرجنا إلي مواقع العمل ، وتركنا مهمة تنظيف العنبر علي عاتق إخواننا المرضي .. ووجدنا في استقبالنا الضابط عبد العال سلومة بابتسامته الصفراء ، وقد اغتم الإخوان لرؤيته ، لأنه – محرك الشر – وكنا دائمًا نحس أن " جريد شنيشن " كما سماه الإخوان بعد حملة النخيل مساق إلي الصدام بنا ، بيد خفية تعي ما تفعل .. ولم نستبعد احتمال أن تتطور الأمور بعد انتداب عبد العال سلومة بطل مذبحة طره إلي هذا السجن .. ومعني هذا أنه تم وضع القوة العمياء في يد الحقد الأصفر .. فكيف يتوقع الإنسان خيرًا من ورائهما .. ويعاونهما ضابط ضئيل الجسم حديث التخرج ، يجري هنا وهناك كالطفل بين يدي والديه .. أما وكيل السجن النقيب البربري ، فقد كان متعاطفًا معنا ، وإن لم يستطيع عمل شيء لنا في مواجهة هذا الثالوث الذي يعمل بوحي من الجهات العليا .. وكان هذا الشعور يريحنا ويسعدنا عن بعد .. فحسبنا أن نجد دائمًا من طبيعة هذا الشعب ما يطمئننا علي دينه ووعيه للأمور . نظريتان ثم وضع نشيد العاصفة .. توقعنا ألا يمر اليوم الجديد بسلام .. وأن تمتلئ ساحة العمل بالشهداء .. لذلك استقبلت يومي صائمًا ، وصليت بنية الاستشهاد علي غرار ما فعلت يوم حملة إسماعيل همت بسجن جناح .. وقد تواصي الإخوان بذلك ، مثلما تواصوا بالهمة في العمل في هذا اليوم ، حتى نقطع عليهم سبيل الشر .. لذلك أطلقنا علي فرقتنا اسم العاصفة ؛ لإشاعة المرح والنشاط ، ولمعاونة الفرق الأخرى في إنجاز المطلوب منها في ظل الفرصة الممنوحة لنا من المأمور ، لتعويض تقصيرنا بالأمس .. وعلمنا أن الفضل في تعطيل قرار المأمور يعود للجهود الشاقة التي بذلها مهندسو الإصلاح وبعض السجانة ، فضلاً عن دور الأخ رشاد المنيسي مع زميل الدراسة .. ولم يكن في حاجة
إلي كل هذا الجهد ، فقد أنجزنا بالفعل في هذا اليوم ما يكفي لتخفيف حدة التوتر وكسر تلك الحلقة المرذولة المضروبة حولنا ، ريثما نميت الاهتمام والتربص بالتدريج .
فرقة العاصفة ..
بعد انقشاع الأزمة بدأت تتنازعنا نظريتان في العمل :
الأولي :
تري أن في وسعنا أن نتفادى الاصطدام فعلاً بالمزيد من العمل ؛ حيث إن في طاقتنا فعلاً أضعاف ما يطلب منا ، وفيما عدا الأرض الصلبة التي قابلتنا في اليوم الأول فإن المقطوعيات بعد ذلك كانت في أرض سهلة لا عنت فيها ، تظنها إدارة السجن بصلابة الأولي نفسها . واعتبرنا ذلك من أسرارنا الحربية .. فضلاً عن أن العمل نفسه حاجة حيوية لأجسامنا التي حرمت الحركة والشمس والهواء أشهرًا طويلة ، وقد كشفت الأيام الأولي عن سرعة معدل التحسن في كثير من الأمراض الروماتيزمية والمعدية .. وكنت من هذا الفريق الذي يري هذا الرأي والذي أقام لهذا الغرض فرقة مخصوصة ، أطلق عليها اسم العاصفة ، وتكون مستعدة دائمًا لنجدة الفرق الأخرى .. وعلي التو ارتفع نشيد العاصفة مع رنة الفؤوس ...
أين الفـأس ( هبي هبي ) نريه الـبـأس
فلسـنا أبدًا ( هبي هبي ) نحني الــرأس
سيشرب يومًا ( هبي هبي ) هذا الكــأس
ليبني السد ( هبي هبي ) ستـبنـي النفـس
ونعـطـي الـدرس لـهـذا الـشـعـب
هبـي هبـي هـيا هـبي
هـبي حـتى يرضي ربي
أمامـك هول حـولك نـار
لعلـك تبـدي الضعف تجار
تقول وتبسـم فـي إصـرار
وأنـت أشـم فـيك يـحـار
ننـال الخـــلد ببـعـض الـنـصـب
هبـي هبـي هـيا هـبي
حـبي حـتى يرضي ربي
هـيـا هبـي بالـواحـات
جا الإخـوان بـالآيــات
حالوا الشغـل إلي طـاعات
عبي المقطف هــيا هـات
هـيا شقـوا فـي القـنوات
بالكـوريـك وبالعـضـلات
هـيا نبـنـي غـدنــا لآت
هيـا نـنـزل مـثل الشـهب
هـبي هـبي هـيـا هـبي
هـبي حـتى يرضي ربـي
قـل للـظالم لـست للعاتـي
كـلا إنــي لسـت أطاطي
كـلا حـتى حـين الممات
إن النـصـر لآتٍ آتِ
هـــذي الشـمـس وراء الـسـحـب
وكانت هناك نظرية أخري ..
تري أنه طالما أن العمل سخرة فلا نعطيهم إلا ما يدفع الشر عنا ، ولو كان عُشر طاقتنا ... وبالإمكان تسوية الأمر مع المهندسين والسجانة المشرقين ؛ بحيث يبلغون الضابط المشرف علي العمل في خيمته التي لا يخرج منها إلا لمامًا بأنهم استلموا المقطوعية علي الوجه الأكمل ... ويظل لنا حرية الاستفادة من الوقت والجهد علي الشكل الذي يروق لنا ، لأننا لو أعطيناهم كل طاقتنا منذ البداية فسيطلبون المزيد ، ولن يقنعوا ؛ لأن هدفهم الاصطدام .. أما إذا أبقينا بيننا وبين الطاقة الممكنة مسافة واسعة نناور بها فإننا نكون أكثر أمنًا . وقد كانت السيادة للنظرية الثانية ، فصار الطابور الطويل يقضي وقتًا أطول في حفرة قناة صغيرة ، طالما أمن الإشراف المباشر من ضابط الجبل .. وسلك الشيوعيون نفس السلوك ... وأعتقد أن أي عمل جماعي في العالم لا يمكن أن يظفر بمثل هذه الرقابة الصارمة من ضباط وحراس وفوهات مدافع مصوبة ، ومع هذا فقد عجزت كل هذه الاحتياطات عن القيام مقام الدافع الذاتي النابع عن الاقتناع والإيمان القلبي .. مما يحتم مراجعة كل الأسس التي يقوم عليها هذا النوع من العلاقات الإنتاجية ، ولا يجب أن ننسي لحظة واحدة أن أحد طرفي هذه العلاقة هو الإنسان المسخّر ..
وقد تكفل القدر بالتوفيق بين النظريتين في أعين إدارة السجن ؛ بحيث قد أعطاهم صورة وجوهنا الكادحة ، وأعطانا وراء هذا الشكل المظهري حقيقة النفوس المطمئنة ... ذلك أننا كنا نعود إلي السجن في عربات الإصلاح الزراعي وعلي وجوهنا وملابسنا غبار كثيف من طريق الرمال ، ولم تسلم سوى أعيننا التي تبرق في احمرار من أثر الغبار .. يخيل للناظر إلينا أننا قد خرجنا لتونا من منجم في بطن الأرض ... كنا نضحك لمناظرنا الغريبة ، ونخطئ أحيانًا في التعرف علي بعضنا .. ما كنا تعلم أن المأمور يطرب لهذا المنظر اليومي ، حيث ظنه من شدة الإرهاق والتعب ، فترتاح نفسه ويؤمل بقرب المراد ... ولا يعلم أننا خلف هذا الستار الرباني كنا أسعد الناس نفسًا وأكثرهم عافية ... ومرة أخري أجدني مشدودًا إلي معني جديد في قصة إبراهيم – عليه السلام – حين ألقوه في النار وهو أن الطغاة لم ينتبهوا إلي أن النار لا تحرق وإلا لما أفلتوه ، ولكنهم بالقطع انصرفوا مطمئنين إلي أن إبراهيم – عليه السلام – قد تفحم بحكم السنن الكونية في الحرق بالنار ... تمامًا مثلما انصرف نيروزنا عنا مطمئنًا إلي تحقيق مأربه ... وما دري أن نيرانهم ستكون في أعينهم وحدهم ، وأنها برد وسلام علينا ... وأن الله سيوجد لنا مخرجًا كما أوجده لإبراهيم ... ( )
الفصل العاشر : • صفحات من قصة الإخوان والثورة .. • الحمامات حدود الهدنة بيننا وبين الشيوعيين ..
ألقنا طابور العمل اليومي في أرض الإصلاح الزراعي ، برغم المنغصات البسيطة حول تسليم وتسلم المقطوعيات .. ولقد تكونت طبقة عازلة من أغلب السجانة علي رأسهم رقيب أول شاهين ، ومن مهندسي الإصلاح الزراعي بيننا وبين فريق الضباط الموكل بتنفيذ أوامر قائد السجن .. مهمة هذه الطبقة إقناع الضباط يوميًا علي رأسهم عبد العال سلومة بأننا سلمنا المقطوعيات حسب التعليمات ، وأننا لم نخل بالمطلوب منا .. ولم يكن الضابط سلومة ليغفل عن ورده اليومي كل صباح قبل بدء العمل .. إذ يقوم بجمع السجانة ليستدعيهم علينا ، ويطالبهم بالمزيد من التشديد والضغط ، ويوحي لهم بإهانتنا ، مؤملاً أن تؤدي الاحتكاكات إلي ما هو أسوأ منها . وما أن ينفلت عائداً إلي السجن حتى يسارع السجانة بما قاله إلينا ، ويقولون :
- نحن لم نقتنع بهذه التعليمات ، لأنه وقت الضرورة سيتنصل منها ، ولماذا لم يوجهها إليكم بنفسه ؟ لماذا يعطيكم الوجه الحسن ويدس السم من وراء ظهوركم ؟ لماذا يعرضنا وحدنا للمسؤولية . وقد وجد الرقيب أول شاهين في نفسه الجرأة ذات مرة ليقول له : - يا سعادة البك .. لماذا لا تنفذ بنفسك ما تدعونا إليه ؟ .. فنهره سلومة قائلاً : - أنت رجل حمار ، ولا تفهم بنفسك هذه السياسة .. أنت رجل عسكري ، تفعل ما آمرك به ولا تراجعني .. فاهم .. - تمام يا فندم . - ضحكنا من قصة شاهين هذه ، وعجبنا من إصراره اليومي علي أن يقضي أغلب وقته في حفظ القرآن مع بعض الإخوان في فترات راحتهم من العمل .. حتى إذا لمح عربة الضابط من بعيد هب من مكانه ، صائحًا علي العمل ن موجهًا شتائمه إلي السجانة ، وهم بدورهم يتقبلونها عن طيب خاطر ، إلي أن ينتهي المرور بسلام ، ويختم يوم العمل بإعطاء التمام عن كل المقطوعيات للسيد ضابط الجبل ، بشهادة مهندس الإصلاح ، فيقوم الضابط بدوره بإبلاغ قائد السجن بهذه النتيجة السارة ، ويؤكدها في نفس المأمور رؤيته لنا بعد العودة معفرين بتراب الطريق .. ومما زاد من اطمئنان المأمور إلي أن هذه السياسة ستؤتي ثمرها في حملنا علي التأييد ما حدث من انحياز عدد جديد إلي حجرة المؤيدين ، التي تتمتع بمزايا ثلاث : الإعفاء من طابور الجبل ، المعاملة الحسنة ، قرب الإفراج .. وطربت الإدارة لهذه النتيجة الجديدة ، التي لم تحدث طوال فترة غلق الزنازين علينا علي مدار السنة والنصف ، وظنت أن هذا الانفتاح وجو العمل كان وراء تفاعل الآراء لمصلحة سياسة التأييد ، فأرخت قبضتها بعض الشيء لهذا الغرض ، وأعادت تعاملنا مع المقصف ؛ لأن تجربتهم معنا أقنعتهم أن الشدة تزيد من ترابطنا .. ولم يكن في وسعهم أن يستنبئوا الغيب ، وإلا لعلموا أن المؤيدين علي مدار العام كله لم يزيدوا عن تسعة عشر فرداً ، ختمت بهم قصة التأييد والمعارضة .
.. وكان حظهم أسوأ من الدفعتين اللتين سبقتا ؛ حيث طبقت عليهم أجهزة الأمن خبرتها في معاملة السابقين .. فلم يعد تأييد الحكومة كافيًا للإفراج ، بل يلزم أيضًا إثبات الولاء وإظهار الإيجابية وعدم السلبية ، وكلما زادت ثورية الفرد برفع التقارير وإبلاغ المعلومات ، والتخلي عن القيم ، وإظهار الحماس في كل مناسبة وطنية أو قومية أو عالمية .. وطبقت هذه السياسة الجهنمية علي سيئ الحظ من بقايا المؤيدين بالسجون ، الذين لم يكن قد تم الإفراج عنهم ، أما من واتاهم حظهم بالخروج مبكرًا قبل هذا التطور في مفهوم التأييد فلم يفلتوا أيضًا من هذا المصير ؛ إذ لاحقتهم الأمن في الخارج في بيوتهم وأعمالهم بإتباع هذه السياسة ، وإلا كان تأييدهم السابق مجرد خدعة مكشوفة . هذا الصنف من البشر .. كنا في مأمن وإطمئنان إلي جنب الله ، ونشعر أننا في حصن حصين من عزة الإسلام .. في الوقت الذي كنا نرثي فيه لهذه الدفعة الثالثة من المؤيدين بالذات ، سواء منهم من كان معنا في سجن المحاريق ، أو من وصلتنا أخبارهم في السجون الأخرى ؛ حيث تفاوتت ردود فعلهم تجاه هذه السياسة الغشوم ، فمنهم من تمادي في ثورته حتى فاق رجال الأمن في أعماله المباحثية ، وكنا نحن وبقية المؤيدين نحذر هذا اللون من البشر ، ونطلق علي الواحد منهم اسم " بسبس " مفرد " بسابس " ، لأن لديه استعداداً فطريًا لتحويل الظواهر الطبيعية إلي مظاهر حركية ، وتفسير العبارات العادية إلي عكس مراميها الحقيقية . وانتهي المطاف ببعضهم إلي أن أصبح عضواً كاملاً بجهاز الأمن بعد الإفراج عنهم .. هذا اللون من البشر هو الذي أعمل له ألف حساب اليوم داخل المعتقل ، فأتحين الكتابة في جوف الليل أو في الظهيرة أو فوق الأسطح بعد عمل التمويهات اللازمة ... ومن المؤيدين من أصابه مرض عجيب ، لم أسمع عنه من قبل ، اسمه الاكتئاب ، ومنهم من أصيب بانفصام الشخصية أو بازدواجها ، ومنهم من التزم الاعتدال دون نظر للعواقب ، ومنهم من توقف عن التأييد كلية غير مبال بإلصاق صفة التعاطف مع المعارضين عليه ، تمادى في صلته بنا حتى حولته الإدارة فيما بعد إلينا ، بعد أن فقدت الثقة في تأييده .. وكان الخير في هؤلاء المؤيدين هو الأغلب والشر هو الأقل ... وهذا ما دعا اللواء زهدي أحد أركان المباحث العامة إلي أن يقول للدفعة الثالثة من المؤيدين عند الإفراج عنها :
- نحن نعلم أنكم أسوأ من المؤيدين وألعن من المعارضين .. مع الشيوعيين عند خط الهدنة ..
أعود من هذا الاستطراد إلي موقع السخرة في شق الترع والمصارف مع الشيوعيين في أرض الإصلاح الزراعي بالمحاريق ، بعد التنبيه علينا بعدم الاختلاط ببعض ، وإلا حاق بنا أشد العقاب ... وقد كانت الثغرة الوحيدة في هذا النظام الصارم هي دورة المياه المشتركة ، التي كان يتاح لنا اللقاء عندها ، ومن ثم أطلقنا عليها " خطوط الهدنة " . وفي البداية كان اللقاء بطريقة فردية بين صديقين قديمين ، اكتشف كل منهما وجود صاحبة في معسكر عقائدي آخر ، أو بين اثنين من الأقرباء كل منهم في طريق ، أو لغير ذلك من الأسباب العارضة ، ثم تطورت اللقاءات إلي المستوي التنظيمي ، عندما اكتشفنا ما يعانيه الشيوعيون من جوع متواصل كالذي سبق أن عانيناه ... وكنا اليوم في ظروف أفضل ، بعد السماح لنا بالتعامل من جديد مع المقصف في حدود الأجرة التي أعطيت لنا مقابل عملنا في شق الترع والمصارف ، تنفيذاً للائحة السجون ، التي تتكلم عن أجر للمسجونين دون المعتقلين . وحرصًا علي شكلية الإجراءات فقد تنازعت مصلحة السجون مع إدارة الإصلاح الزراعي حول أجرنا عن هذا العمل ، انتهي بقرار إعطائنا قرشًا واحدًا للفرد عن كل يوم عمل ، وكان هذا يعتبر ثروة ضخمة ، إذ صار هذا الأجر عبارة عن جنيهين في اليوم بالنسبة للجميع ، تصبح علي مدار الشهر ستين جنيهًا ، مما رفع علي الفور من مستوانا الاقتصادي ، وسمح لنا بتوفير فائض من الأغذية ، أو هكذا كنا نقنع للشيوعيين ، ونحن نحمل إليهم كل يوم عدداً من أكياس الخبز وجرادل العدس والفول وبعض الفاكهة ، نسلمها لهم عند خطوط الهدنة بالتساوي بين مندوب الحزب الشيوعي المصري وحزب " حدتو " ؛ لكي يقوما بدورهما بالتوزيع علي زملائهما داخل مواقع العمل ، وكنا نصدر بذلك عن وعي بطبيعة ديننا الرحيم ، وعن علمنا بواقعة مد الرسول الكريم – عليه الصلاة والسلام – لأبي سفيان بمبلغ من المال لتوزيعه علي فقراء قريش ، عندما أصابتهم مجاعة وهو علي شركهم ، وبرغم استمرار القتال بينهم وبين المسلمين .. شيوعيون مختلفون .. والحزبان الشيوعيان يتفقان في الهدف ، ويختلفان في الوسائل ، فالأول يري عدم مهادنة أي نظام ؛ التزامًا بثورية النظرية حتى تتحقق الثورة الشاملة والتغيير الكامل ، وحزب حدتو – أي الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني – يري التدرج في التسلل الهادئ إلي المراكز القيادية في الدولة ، حتى يصلوا إلي أهدافهم بأقل الخسائر .. وكل منهما يرمي الآخر بشتى التهم التي تتراوح بين التخريب والعمالة .. وكانت تجمعهما العلاقة الطيبة معنا بحكم تزويدنا الدائم لهم بالمساعدات الاقتصادية وحل مشاكلهم مع بعض الحراس ، من مواقع كوننا " سوابق " في فن المعاملة للإدارات ، حتى أنه كثيرًا ما كانت تقوم السلطة العليا بتغيير إدارة السجن ، بدعوى أننا نجحنا في التسلط عليها .. اجتماعات عقائدية .. وشيئًا فشيئًا أخذت الرقابة تخف ، وأخذت اللقاءات تتسع ، وأخذ الحراس يندمجون معنا كلما أمنوا مرور أحد الضباط ، وأصبحت فترة القيلولة التي يسمح لنا فيها بتناول الغداء فرصة ذهبية للندوات الخفيفة ، ولم تلبث فترات الراحة أن أطالت العمل ، وأن توزع علي فرق بعضها يعمل وبعضها يستريح .. وكان ذلك كله مصلحة اجتماعاتنا الموسعة ، التي حرصنا فيها علي أن تكون جامعة لكل الاتجاهات الحزبية ؛ حتى يسهل كشف الحقيقة دون التواطؤ عليها .. وهكذا ولدت فكرة الندوات الفكرية في جو ودي للغاية ، وزدنا الأمر إحكامًا يعمل ضوابط وضمانات لاستمرار الحوار ، بعيدًا عن كل عوامل الإثارة والتلبيس والتشنجات ، حتى نصل إلي الحقيقة سافرة ، بلا معوقات .. وقد سارت الندوات بالفعل في الطريق السليم الذي نعتبره مثلاً يحتذي لكل مختلفين في العقيدة إذا صدقت النوايا وبعدت الأغراض السياسية عنها وخلت من الجهالات .. وهيهات أن يظفر بذلك في خضم الحياة .. وقد كانت النتيجة متكافئة بالفعل مع هذه المقدمات السليمة .. صفحة جديدة من قصة الإخوان والثورة .. وإذ كان يحلو الحديث وتكثر الندوات في فترات الراحة بين الإخوان أنفسهم ، أو بينهم وبين الشيوعيين .. فقد ازداد الحديث حلاوة ذات يوم بين أفراد فرقة العاصفة ، وهي ملتفة حول السيد محمد حامد أبو النصر عضو مكتب الإرشاد ، فوق كوم من " الردم " ، كل منهم يتكئ علي فأسه ، أو يستند علي مقطف أو كوريك . أذكر منهم عبد الرحمن البنان ، ولطفي سليم ، وجلال عبد العزيز ، وفرح جبارة ، وأحمد حسين ، وإسماعيل النشار ، وقد خطر لهم أن يسألوه في هذا اليوم عن قصة الإخوان والثورة بعد أن كثر اللغط فيها .. فأنستنا نسائم كلماته نسائم الصحراء .. أغنانا دفء عباراته عن شمس شتاء الصحراء .. قال :
- أنا أمثلكم يا أبنائي ، لم أعلم بها علي الوجه الأكمل إلا أثناء محاكمة الأخ المقدم عبد المنعم عبد الرؤوف أمام " طبالة " رئيس المحكمة ، وكنت في مقاعد الجمهور حين ناولني عبد المنعم من قفص الاتهام أوراق دفاعه ، وخصني بقراءتها قبل تقديمها لهيئة المحكمة ، التي – لحسن حظي – تأخرت في حضورها إلي أن أتممت قراءتها ، ووقفت علي التفصيل لأول مرة .. وبعدها أدركت كم كانت خسارتنا كبيرة بموت الشيخ حسن البنا – عليه رحمة الله - ؟ - ازداد التصاقنا به وهو يسرح الطرف عبر الأفق البعيد ، وعلي وجهه ابتسامة الأسد الحنون الواثق من مستقبل أشباله المتواثبين من حوله : - البداية دائمًا علي يد الإمام الشهيد ، والسبق والابتكار والمغامرة والتفاؤل من صفات الداعية ، وكلها بعض صفاته .. فهو عندما علم بوقوع الطائرة التي تحمل عزيز المصري وهي في طريق هروبها إلي الجيش الألماني بالعلمين ، أعجب بشجاعة الطيارين الشبان ووطنيتهم التي دفعتهم إلي هذا العمل الجريء .. وكلف علي الفور الرائد محمود لبيب وكيل الجماعة العسكرية وصاحب البطولات التاريخية في حرب السلوم بتجنيد هذين الشابين في الجماعة ، وهما : عبد المنعم عبد الرؤوف ، وذو الفقار فهذه الشجاعة الفطرية إذا شحنت بطاقة الإيمان وزودت بحقائق الإسلام كانت سلاحًا نوويًا رهيبًا .. وقد كان التوفيق رائده في تجنيد عبد المنعم وحده ، الذي اندفع كالشلال في بث الدعوة في صفوف الجيش عقب لقاءاته بالإمام الشهيد ، التي ملأت قلبه بالنور ، وفكره بالوعي السليم ..
وشهدت أرض مصر ، التي كانت غارقة في فساد الأحزاب ومؤامرات القصر واحتلال الانجليز ، شهدت لقاءات سرية بين الإمام الشهيد وبين من رشحهم له عبد المنعم عبد الرؤوف ومحمود لبيب من صغار الضباط المتوقدين غيرة ووطنية ، وعلي رأسهم : جمال عبد الناصر ، كمال الدين حسين ، أبو المكارم عبد الحي ، البغدادي ، وغيرهم ... وأسندت مهمة الاتصال بعد ذلك بعبد الرحمن السندي رئيس التنظيم الخاص ، الذي أخطأ حين عيّن لأسرة الضباط أخًا يعمل مدرسًا بالمدارس الابتدائية ، ولم يكن علي مستوي هذه المسؤولية في تقديري .
- هل لنا أن نعرف اسمه ؟ - نعم ، هو الأخ أحمد زكي .. الذي طلب من الضباط في أحد اجتماعات الأسرة أن يقوموا بفك وتركيب إحدى الطبنجات ، فثار جمال عبد الناصر ، واعتبر ذلك إهانة لاختصاصهم العسكري ، وأنه كان من الأولي التحدث في القضايا العقائدية والاجتماعية وفي التحليلات السياسية . - قال بعض الإخوة : ألم يكن جمال عبد الناصر علي حق .. وأن ما قام به ذلك الأخ هو من أخطائنا القيادية ؟ وقال البعض الآخر : علي فرض التسليم بهذا الخطأ .. لكن ثورة عبد الناصر أيضًا تكشف عن الافتقار إلي روح الأخوة ، وإلي نقص الشعور بالالتزام ، وهما خاصية جنود هذه الدعوة .. وما كان أجدره أن يفرق بين خطأ الشخص وأهمية الجماعة .. بل وأن يفرق بين أهمية الجماعة وحقيقة الإسلام .. ولو صحت المقاييس النفسية والفكرية لأخذ هو علي عاتقه إصلاح الجماعة من داخلها ، لا رغبة النيل منها .. - وقال آخرون : وكيف عالج الإمام الشهيد هذا الموقف ؟
ثم سكتنا جميعًا حينما عقب السيد محمد حامد علي كلامنا :
- يا أبنائي .. أنتم تتكلمون تحت تأثير ما وصلت إليه الأحداث اليوم .. وأنا لا أبريء الأخ نقيب الأسرة من الخطأ ، ولا أبريء عبد الناصر أيضًا .. ولكن .. هذا حقي .. .. أبريء شخصُا واحدًا هو الإمام الشهيد حسن البنا ؛ لأن الأمر لم يتجاوز يومها صورة سوء تفاهم بين اثنين في إحدى الأسر العديدة داخل الجيش والبوليس والقضاء والنقابات وكل مستويات الأمة .. أنتم تتكلمون وفي ذهنكم صورة جمال اليوم ، لا صورة جمال الأمس العادية ، وإن كنت قد علمت أن تصرفات شبيهة بالتي حدثت قد حدت بالإمام الشهيد أن يجعل صلة الضباط به مباشرة ... والآن نستأنف قراءاتنا في أوراق دفاع عبد المنعم عبد الرؤوف ..
جاء فيها أن وفاة الإمام الشهيد قد عجلت بالأزمة داخل الجيش ؛ حيث قرر جمال عبد الناصر أن يعمل بالجناح العسكري منفصلاً عن جناح الجماعة المدني ، الذي " لم يستقر بعد علي مرشد جديد ، حتى يتاح لنا ضم أي عنصر وطني في الجيش دون التقيد بالاتجاه الفكري ، طالما أن هناك قضية وطنية تهم الجميع ، فضلاً عن أن الرجل الوحيد الذي كنا نثق به قد مات " ... وعارضه في ذلك عبد المنعم عبد الرؤوف ، الذي كان يغلَّب صفة الجندية الملتزمة علي أي صفة عسكرية ، قائلاً : " إن واجبنا كأفراد في جماعة أن تعطيها حقها في اختيار المرشد الجديد ، وأن نشارك في ذلك أيضًا دون أن نفتات في النهاية علي حق القيادة الجديدة في تقدير الأمور ، وإلا تحطم هذا العمل الإسلامي الكبير من سنوات طويلة .. منذ سقطت الخلافة الإسلامية ولا ننسي أن هذه الأمور للإسلام أولاً وأخيرًا ، وفي ظله تحل مشاكلنا الوطنية " . استحال التوفيق بين الرأيين اللذين استقطبا عدداً كبيرًا من الضباط ، وكان أكثر الناس فزعًا لهذه النتيجة هو المرحوم محمود لبيب الأب الروحي لكل هؤلاء .. وقد أسرع بعمل اجتماع للجناحين العسكريين في منزله بحي الظاهر .. ولم يأت الاجتماع بالنتيجة المرجوة مما عجل بوفاته همّاً وغمًا ، وإن كانت الأعمار بيد الله . هذا ما آل إليه الأمر في تنظيم الجيش قبل قيام الثورة مباشرة ، ومن ثم فقد ظل التعارف بحكم الضرورة قائمًا في الوسائل لا في الغايات ، وعلي اعتبار تكتيكي من جانب الإخوان بأن يجعلوا الضباط الأحرار هم رأس الحرية في قيام الثورة .. وهذا يفسر سر معرفة الجماعة وحدها دون غيرها من الأحزاب والهيئات بموعد قيام الثورة ، وسبق أبنائها إلي حراسات المنشآت ؛ لأنها ببساطة ما كانت الثورة لتقوم بغير رضا الإخوان . شغلنا الحديث الشيق عن حرارة الشمس التي كانت وادعة منذ قليل ، وشغلنا عن لفح الرياح التي كانت منذ قليل نسائم الصباح .. فلما دوت صفارات العودة من الجبل قمنا برؤوس مثقلة وبصدور مشغلة ، واتجهنا إلي حيث تقف عربات النقل التي يختلط فيها الإخوان بالشيوعيين ، بدون تخصيص بعكس ما يحدث في الصباح .. لم يبق علي قيام العربات سوي انتظار من مازالوا عند خطوط الهدنة ، ولم نذهب إلي خطوط الهدنة في هذا اليوم ؛ لأن هذا الحديث الهام قد فوّت علينا هذه الفرصة التي نحرص عليها كل يوم تقريبًا ، وإلا أننا لم نأسف في هذا اليوم علي فواتها ...
الفصل الحادي عشر : • بالأمر العسكري جرت المباراة بكرة القدم .. • احترف التحنيط .. فنجا من التعذيب ..
استشعارًا لمسؤوليته عن إخوانه .. وأداء لأمانته نحو دعوته وأمته ، وارتفاعًا فوق الآلام الذاتية ، أراد أخ كريم محنك الرأي .. رقيق القلب .. لطيف المعشر .. صلب الإرادة ، هو عمر التلمساني ، عضو مكتب الإرشاد ، والشرف العام علي الإخوان ... أن يسد فجوة عدم الثقة بيننا وبين المسؤولين في الدولة ، وأن يفتح طريقًا للتفاهم لطرد هذه الصفحة السوداء ، فرفع إلي المسؤولين عن طريق إدارة السجن مذكرة كبيرة حول أهمية اللقاء المباشر مع من يهمهم الأمر كبديل لهذه الأساليب البربرية .. فعل ذلك ؛ إعذارًا إلي الله ، وتحمل بعض العنت من قلة من الإخوان أبوا هذه الخطوة عليه .. كذلك وبالدوافع نفسها لم يشأ الأخ رشاد المنيسي ، المسؤول العام ، أن يُفلت إحدى الفرص المتاحة للتفاهم الكريم ، فعندما علم بوصول حسن المصيلحي مستشار رئيس الجمهورية للأمن الداخلي بصحبة أحمد صالح داود من المباحث العامة لمقابلة الشيوعيين ، دبر مع قائد السجن – وهذه من حسناته – أمر مقابلتهما كزميل سابق لهما بالشرطة .. يشرح لهما خطأ السياسة المتبعة معنا وعواقبها علي الأمة .. وأن في مقدورهما أن يكونا رسل خير في هذا السبيل .. أما الأستاذ عبد العزيز عطية أكبر أعضاء مكتب الإرشاد سنًا ، والأب الروحي للجميع ، والذي وصفته التقارير السرية بأنه لا يشغله إلا قيام الليل وقراءة القرآن والنيل من جمال عبد الناصر . فقد تحين مناسبة العيد وكتب بطاقة معايدة للشيخ شلتوت شيخ الجامع الأزهر – وقعت في يد إدارة السجن – يذكّره فيها بمسؤولية العلماء في مواجهة الطغاة .. وكادت الكارثة أن تقع عندما ثار المأمور ، واستدعي الأستاذ عبد العزيز لمكتبه ، وحدثت مشادة بينهما ، همَّ فيها كل منهما بلكم الآخر ، وهجم فيها الشيخ الجريء علي المأمور الذي تراجع مأخوذًا بالمفاجأة .. وجاء تدخل النقيب البربري في الوقت المناسب ليحول دون وقوع الكارثة .. مباراة في كرة القدم .. بالأمر العسكري سارت الحياة كالمعتاد بعد تلك المواقف القوية .. ولم يطرأ أي تغيير علي برنامجنا اليومي من الجبل وإليه .. ومن تفتيش إلي تفتيش .. حتى ألفنا جو التكدير ، وتمرسنا علي مواجهة كل موقف صعب . وحيث إن الليالي الحبالي يلدن كل عجيب ، فقد تعرضنا لموقف جديد لا علاقة بالسياسة ، خُيًَّرنا فيه بين مزيد من التكدير أو جلب التيسير ؛ لأنها مسألة كرامة لإدارة السجن بصفة عامة وللمأمور بصفة خاصة .. هذا ما أكده لنا المأمور فور عودتنا من الجبل معفرين بتراب الطريق ، عندما جمعنا خارج الزنازين بحضور ضباط الإدارة ... يومها تقاذفتنا الظنون في سبب هذا الجمع الطارئ .. هل لأننا قصرنا في المقطوعيات ينوي أن يفتك بنا ؟ هل نمي إلي علمه ما يجري بيننا وبين الشيوعيين من ندوات ، يمكنه في أي وقت تصويرها علي أنها جبهة معادية للثورة تخول السلطة فعل أي شيء بنا .. واحتبست أنفاسنا عندما بدأ يتكلم بحساب :
- ستنازلون بعد ساعة فريق كرة القدم لسلاح المهندسين بالوادي الجديد .. استعدوا لأسوأ معاملة إذا انهزمتم ، وإلي فتح الأبواب وزيادة العمل مع المقصف إذا انتصرتم ؛ لأنها مسألة كرامة في الدرجة الأولي لإدارة السجن ولي بصفة خاصة ..
وانصرف علي الفور بعد هذه الكلمات المعدودات .. ووسط الاندهاش والتعجب تكوّن الفريق لم يتدرب يومًا واحدًا منذ أكثر من سنتين ، وبذل الأخ محمد مهدي عاكف التربية البدنية ، وقائد جامعة عين شمس سابقًا أيام معارك القتال مع الانجليز .. كل جهده في توجيه الفريق إلي خطة اللعب .. ونحن بدورنا حملنا الفريق توصياتنا بأن يستشهدوا في أرض الملعب .. وتقدمنا الفريق إلي الملعب ونحن وراءه صفين في حراسة السجانة ، حيث أجلسنا في الجهة المقابلة للمنصة التي يجلس عليها المأمور وضباط السجن وضباط سلاح المهندسين ، محاطين بجنود الجيش عليها المشجعين ، بأيديهم الطبل والمزامير . ولم يلبث السجانة أن أحضروا طابور الشيوعيين المسجونين إلي حيث جلسوا قريبًا منا ، وبدأت المباراة حامية ومثيرة ، فإذا ما أحرز فريق السجن هدفًا أو أدي لعبة فنية التفت إلينا الرقيب الأول ، الذي يحيط صفوفنا بالسجانة ، وأمرنا قائلاً :
- صفقوا ... فنصفق بشدة ... إلي أن يلتفت ثانية ويقول : - قفوا ... فنتوقف ...
ولطرافة الموقف التزمنا تعليماته ، أو ألزمنا مشاعرنا تعليمات الرقيب في ذلك .. فإذا ما غلبتنا المشاعر لدينا عليه .. أنصفق هنا يا حضرة الصول ، فلا يلتفت إلينا ، ويكتفي بقوله :
- نعم صفقوا ... فتنهمر أكفنا بالتصفيق وسط الضحكات كالإعصار ، فإذا ما قال : قفوا ، سكنت العاصفة مرة واحدة ..
وكانت النتيجة لصالح فريق السجن بثلاثة أهداف لهدف واحد لسلاح المهندسين ... فانتشي المأمور والضباط وبرَّ بوعده معنا لعدة أيام متتالية ، قبل أن ينجح الحقد الأصفر – أي : عبد العال سلومة – في إعادة الحياة في السجن إلي سيرتها الأولي ... نبأ الأفناك .. شخص واحد استطاع أن يفلت بمهارة من كل صور التكدير منذ الأيام الأولي للسجن حتى اليوم ، وكان يعتبر المنافس الوحيد لإبراهيم أبو العيش المشرف علي مجلة مصلحة السجون .. فهو في عهد المأمور ضياء ، وكذلك في عهد المأمور شنيشن ، محل تكريم وإعفاء من أعمال السخرة ، بل كان الضباط يتوددون إليه .. فكان لذلك صمام أمان بيننا وبين إدارة كلما تأزمت الأمور ... هذا الشخص هو الأخ عبد القادر حميدة الموظف بكلية الزراعة .. روحه مرحة .. حديثه خلاب ، ولكن لا علاقة لذلك بوضعه .. فالسبب الرئيسي يكمن في أصابعه الماهرة ، التي التقطت في أول يوم خروجنا فيه إلي الجبل أحد السلاحف الجبلية ، ونجح في تحنيطه ، وقدمه هدية لأحد الضباط ، فلفت إليه الأنظار ، وبدأ يتوسع في تحنيط الحشرات والطيور الجبلية والزواحف ، والصحراء لم تبخل عليه بالأصناف النادرة والأشكال العجيبة ، وما أسرع ما خصصت له الإدارة حجرة خاصة في مرافق السجن ، يباشر فيها هوايته لحسابهم ولحساب أصدقائهم من ضباط المحافظة وكبار الموظفين .. وذاعت شهرته ، وصار مرفقه مزارًا لكل قادم إلي السجن . ومن طرائف ما جري أنه أهدي ذات يوم بومة محنطة للمأمور التركي ضياء ليزين مكتبه .. وما أن خرج عبد القادر من المكتب حتى أصيب المأمور بمغص كلوي حاد .. ولما تجمع الضباط والسجانة حوله أمرهم بإحضار عبد القادر فورًا .. فأخذوه إليه وهو منزعج ، ولما دخل عليه قال له :
- انزع هذه البومة فورًا ، واخرج من أمامي .. ألم أقل لك إنها تجلب الخراب . - فقال : يا سيادة المأمور ... هذه اعتقادات باطلة ، وأنت رجل متعلم ... إنها مجرد طائر مثل بقية الطيور ، والتشاؤم ليس من الإسلام .. وأنا أملك شخصيًا بومتين في بيتي .. فضحك المأمور قائلاً : - وهذا سر خراب بيتك ودخولك السجن .. فأسقط في يد عبد القادر ولم يجد جوابًا .
ولهذا الأخ الظريف قصة أخري في عهد المأمور الثاني شنيشن ، أبطالها هذه المرة زوج من الثعالب ، صغيرة الحجم ، ناصعة البياض ، حوراء العيون ، نادرة النوع ، تسمي أفناك ، ومفردها فنك .. سال لفروتها لعاب كل من في السجن والمحافظة .. وعبد القادر يمني الجميع بوصلها بعد أن يشتد عودها .. وقوي مركزه ، وتدعمت امتيازاته ، وزادت مقرراته . وذات يوم نسي باب قفصها مفتوحًا ، فحفرت لنفسها سردابًا تحت الجدار ، وهربت منه بليل إلي الصحراء الواسعة .. وجن جنون عبد القادر بعد أن تبخرت أحلامه وتهدد مركزه لدي الإدارة ، ولامه المأمور والضباط ، ونقصت مقرراته من اللبن واللحم . وأحدث الخبر هزة كبيرة في السجن ، وتعليقات لاذعة من إخوانه أقعدته داخل الزنزانة ، ولم يجرؤ علي السير في أرجاء السجن .. وانتهز الإخوان الفرصة وذهبوا بعد عودتهم من الجبل يعزونه في مصابه ، وبعضهم علق شارة السواد علي صدره ، إمعانًا في المزاح ، واكتظت زنزانته بالإخوان وعلي رأسهم القيثارة البشرية سعد سرور وقريته أحمد حسين ، والمجموعة معهما تردد أغنية ...
هـاتي الدمـــوع يا عـين وأبـكي عـلـي الفـنـكيـن
بعــد التـعـب مــا طال طاروا فـي غـمـضـة عين
وقمت بدوري بعمل موشحة غنائية ، وذهبت إليه ومعي بطانة تردد تلحين الموشحة الطويلة التي تحكي القصة كاملة :
هل جــاءك أمـر الأفنـاك الضـاحك منهـا والبــاكـي
لـما مكـرت مكـراً حـسنًا لـمـا خـشـعـت كـالنساك
لـما حلفـت إلا وضـعـت عـبـد القــادر فـي الأشراك
لـما فـطنـت لمؤامـــرة دبـرهـا سـاعـة إمـســاك
يأتـيـهــا باللحم المشـوي ويمصــمص عظــم الأوراك
قـالت لرفيـقـة محنـتـها : ويـلي مـن هذا الـســفــاك
مـا حـبّـًا مـنه ولا كـرمًا يجــــري ويـبـش لمــرآك
يغــدو يكلـل هامــتــه ويــروح يغـني بصــبـــاك
والمكـر يكـلل هامــتــه فـخــذي حــذرًا إن حــيـاك
سيــظـل يدللـنا حـــتى إن زاد الشــعــر وغــطــاك
سيــدس السـم ليقــتلـنـا ويحـنـطـنا فـي الشــبـــاك
الفصل الثاني عشر : • هل تحول الإخوان المسلمون إلي شيوعيين والشيوعيون إلي إخوان ؟؟
نشطت الندوات مع الشيوعيين عند خطوط الهدنة ، ثم تطورت إلي داخل مواقع العمل . وقد وزع الإخوان أنفسهم علي شعبتين ؛ لسرعة تحقيق الغرض في أقل ممكن ، وتحسبًا للمفاجآت . الشعبة الأولي : تختص بدراسة أساليب الشيوعيين التنظيمية ، ومشكلاتهم الحركية محليًا ودوليًا ، وما بين أحزابهم من صراعات ، علي رأسها إسماعيل النشار .. والشعبة الثانية : تختص بدراسة الماركسية نظريًا وتطبيقيًا من أفواه المؤمنين بها ، وذلك بعمل قطاع طولي في الحزبين الشيوعيين المتناحرين ، بحيث تستوعب كل المستويات الفكرية وقد اخترت العمل مع الشعبة الثانية . وأعطينا الشيوعيين فرصتهم كاملة في العرض دون أي تدخل من جانبنا تأسيًا بمنهج الرسل والدعاة في أدب الحوار ، فضلاً عما كان يتغاشانا من تهيب في البداية ، حفزنا علي استكشاف الأرضية التي نقف عليها أولاً ، فالذي فعله الرسل تأدبًا ورقيًا في الدعوة فعلناه نحن تهيبًا في البداية ، ثم أدركنا في النهاية عظمة ما كان يتحلي علي جهل الجاهل ، لأن وقته أثمن من ذلك .. وكم يكون منفصلاً ومتواضعًا لو اقتطع ساعة لمحاضرة بأي مقابل مادي .. فالعلماء دائمًا يتكلمون والكل يستمعون .. أما أولئك الذين يصبرون علي سماع صوت الجهل وهم يملكون العلم ، وعلي رؤية الباطل وهو يعرفون الحق ، ثم يتعاملون مع هذا التخلف بالصبر والحكمة والموعظة الحسنة ، فهم بحق الجديرون بصفة الدعاة ، فليس كل عالم داعية .. وهم بحق أطباء النفوس الذين تفتقر البشرية إليهم . استمعنا إلي الماركسية من خلال الترتيب المنطقي لقضاياها ، مبتدئين بالمادية الجدلية ، لا من خلال البداية الخادعة التي يبدأون بها عادة مع أي مبتدئ ، بسرد قصة التاريخ وما كان فيه من ظلم واستغلال طبقي واستعمار ، وسايرناهم في العرض حتى نهاية المطاف ، بالتجوال مع الخيال في ملامح العصر الشيوعي المرتقب ، ومن مجموع الجولات – التي ضمناها فيما بحثًا كبيرًا – خرجنا بنتائج واضحة ، ساعدتنا علي حسن العرض للنظرة الإسلامية عندما حان دورنا في الحديث .. حرب المرايا .. ويبدو أنه لا غني للإنسان عن مرآة أخري ، يري فيها نفسه مثلما يري في مرآته المعتادة وجهه .. فهو يحتاج إلي مرآة من فكر الغير ، ليري ، فيها فكره ، ومرآة من سلوك الغير ، ليري فيها سلوكه ، ومرآة ومرآة ، ليري ويري ، حتى تكتمل لديه الرؤية الإنسانية الصحيحة .. وقد قمنا بدور المرايا في حياة الشيوعيين ، وقد قاموا بدورهم بالدور نفسه لنا .. وهكذا بدأت الاكتشافات تتوالي من الجانبين .. ولن يماري كل فريق فيما رأي من نفسه ، هل رأي وجهه الحسن وجهه القبيح ؛ حيث لم يشغله عن الرؤية المتأنية صراع يؤجج الغرائز ؟ وأدركنا كم كان هذا النقيض العقائدي لازمًا لنا بصفة خاصة ، لتحريك كوامن قدراتنا التي كنا نجهلها ، أو لاستنبات ما كان مدفونًا في تربتنا .. ولقد سري التيار الكهربائي في هذا الوسط الحمضي الساخن بالحوار الهادئ .. سري من الموجب إلي السالب ، فباتت بالحركة خصائص الموجب وخصائص السالب ، وبدأ الاستقطاب في الفكر والسلوك .. إلي هذا الحد يكون الموجب لازمًا للسالب ، من أجل الحركة ، لا من أجل الصراع واقتضت الإرادة الإلهية أن تجعل الكفر بكل دركاته هو القطب السالب في حياة البشر ، والإيمان هو القطب الموجب الذي يبدأ منه تيار التقدم ، فحركة كل نفس هي من تقابل الخير والشر فيها ، ومن تقابل الحق والهوى ، والملاك والشيطان – لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر – فدورات الحياة في الطبيعة .. في المجتمع .. في النفس .. لا تتم – بل لا توجد أصلاً – إلا بوجود الضدين معًا ، فهما الزوجان اللذان يلدان الحركة .. أي الكائن الجديد .. ويوم لا يكون أزواج لا تكون حياة .. وتكون قيامة كل شيء قد حانت . انشقاقات في صفوف الشيوعيين .. وقد ولد هذا الكائن الجديد فينا – أو بالأصح اكتشفنا وجوده ، بازدياد فهمنا لكثير من القضايا الإسلامية علي أقوم سبيل ، وازددنا إدراكاً لما أفاءه الله علينا من نعم ، لم نكن نحسها ، ولم نكن نتذوقها بهذا القدر من قبل ، ومن ثم ازددنا قدرة علي حسن تمثيل هذه الحقائق في أنفسنا قبل أن نفيض بها علي الغير ، وكان طبيعيًا أن نفاجأ – نحن الذين لم نبدأ الهجوم المباشر علي الماركسية بعد ، وأثناء حرب المرايا – برأي قاعدة الشيوعيين العملي ، متمثلاً في حركة استقلال عن جميع الأحزاب الشيوعية ، ضمت أكثر من أربعين معتقلاً ، فضلا عن تشقق التنظيمين الكبيرين بظهور تنظيمات صغيرة مناوئة لهما . وأسرعت إدارة السجن بتوفير سكن مستقل للمستقلين ، وسول لها الوهم أن أسلوب التكدير المتبع هو الذي أدي إلي هذه النتيجة في صفوف الشيوعيين ، مثلما أدي الأسلوب نفسه إلي تأييد عدد جديد من الإخوان .. وكانت في عمي كامل عن كل ما يجري من تفاعل فكري علي أرض الصحراء ، تحت سمع الضباط وبصرهم وهم لا يشعرون . وأطلقت الإدارة عبارتها الشهيرة بعد حادث استقلال الشيوعيين " إن الدولة لن ترفع التكدير عنكم إلا بعد أن يتحول الشيوعيون إلي إخوان مسلمين ، ويتحول الإخوان المسلمين إلي شيوعيين " . وقد أرضت هذه النتيجة غرور الإدارة ، وأبرقت بها إلي الجهات العليا ، ومن ثم شددت قبضتها علينا ؛ أملاً في المزيد من الانتصارات . القوة العمياء والحقد الأصفر .. وأردفت سياسة التشديد بنقل الضابط الحاقد سلومة إلي عنبرنا ، ليتولي التضييق علينا بوسائله الخاصة ، فشهرته في مذبحة طره معروفة لدي الحكومة والإخوان علي السواء ، تلك الشهرة التي قربته من رجال المباحث العامة ، بحيث أصبحوا ينتدبونه للمهمات الصعبة .. وهذا أيضًا ما جعل له نفوذًا كل ضباط السجن ممن هم أمبر منه رتبة ، حتى تلك القوة العمياء قائدة السجن .. وما أسوأ اليوم الذي تسير فيه القوة العمياء بيد الحقد الأصفر .. فكان نصارع نهارنا في القوة العمياء منذ أن نستقبل الصباح بالتفتيش الهمجي لعنبرنا قبل الخروج للعمل .. ثم تبدأ مرحلة الصراع مع الحقد الأصفر فور عودتنا من الجبل ؛ حيث كان يلذ لسلومة أن يعيد تسكيننا كل فترة ، بدعوى تقسيم المعارضين إلي معتدلين ومتشددين ؛ ليضرب بعضنا ببعض ، فضلاً عن تجريد الزنازين المستمر من كل شيء فيها ، حتى ملابسنا الداخلية كان لا يسمح بوجودها معنا وتستبقي بالمخازن .. فضلاً عن خبرته في تأليب الحراس علينا ، حتى كدنا نختنق من سياسته الثعبانية ، مع الاعتذار للثعبان فهو لاشك أرحم منه طبعًا .. كانت تمر علينا أيام عصبية ، نترحم فيها علي أيام السجن الحربي التي كانت كان يصب فيها العذاب علينا صبًا مباشرًا .. لأنه – وإن كان مؤذيًا لأجسادنا – إلا أنه كان أهون علي نفوسنا من تلك الآلام النفسية المستمرة .. ولولا اعتصامنا الدائم بحبل الله لذهبت منا العقول .. خيرت أمرين ضاع الحزم بينهما إمـا صـغار وإمـا فتنة عـمـم هذه الملحمة النهارية كان لها في الليل بقية بلعبة غسيل المخ المعروفة ، حتى لا يتركوا لنا وقتًا ننعم فيه بالتقاط أنفاسنا .. وقد تكفل هذا الشرف الكبير ضابط صغير ، حديث التخرج ، قصير القامة ، ساذج الملامح ، يسمي عثمان ، رمتنا به الأقدار ، فهو يجتمع بنا كل ليلة عقب صلاة العشاء في الطرقة الواقعة بين الزنازين ، هو علي كرسيه ، ونحن من حوله قيامًا وقعودًا ، نرد علي يثيره من كلام حول قضية التأييد والمعارضة ، بالأسئلة والأجوبة المعادة نفسها ، حتى فقد كثير من الإخوان الحماس لها ، وأخذوا ينصرفون عنها ، وكنا نتواصى بعدم الانصراف لنكسب فتح الزنازين كل ليلة علي الأقل .. وكانت هذه الدوامة المستمرة تطبع أثرها في نفس أخ أو أخويت كل شهر .. حتى بلغ مجموع من أثرت فيهم الضغوط تسعة عشر أخًا علي مدار العام ، ختمت بهم قصة التأييد والمعارضين في جميع السجون .. ولم يكن في وسع الإدارة أن تعلم الغيب ، إلا لهالتها هذه النتيجة الضئيلة أمام ما اقترفته من آثام كبيرة .. وكانت الأكثرية من المؤيدين تعيش بقلوبها معنا ، ويدعون لنا ، وكنا بدورنا لا ندخر وسعًا في التخفيف عنه والتماس العذر لهم .. فكان الأخ الذي تلجئه الضغوط الداخلية والخارجية إلي هذه النهاية يحرص قبل الانتقال إلي حجرة المؤيدين علي المرور علي بقية الزنازين ، مودعًا مستأذنًا ، معتذراً بنفاد الطاقة ، دعيًا بالثبات حتى النصر للجميع ، مقرًا لإخوانه بمقام العزيمة ، ويشهد الله أن يظل لإخوانه لا عليهم .. ويودعه الإخوان بالحزن والحب والبكاء ، وهو شعور اختصت به هذه المجموعة الجديدة عن كل ما سبقها .. حملة الوعاظ من جديد .. حشدت الإدارة بوحي من الجهات العليا كل إمكانيات التأثير علينا ، بعد أن أسكرتها نشوة الظفر بهذا العدد القليل من المؤيدين .. ووجدت في سلاح الوعاظ بغيتها .. وجاء بعض الوعاظ مزودًا بفتوى من الجمعية الشرعية مختومة بخاتمها وتوقيع مشايخها بحل التأييد للحكومة ، باعتباره رخصة شرعية لمن كان في مثل ظروفنا . واقتضي الأمر لنجاح مهمة الوعاظ أن يسمح لنا بأداء صلاة الجمعة ، بعد أن كانت محرمة علينا منذ وطئت أقدامنا أرض سجن المحاريق .. وكنا نعاين خلف ستائر الأقدار الجارية لطفًا ربانيًا عظيمًا – يخفي علي النفوس المظلمة – ابتداء من إخراجنا يوميًا بعد العودة من الجبل ، إلي القرش اليومي الذي أنعش اقتصادياتنا ، إلي احتكاكنا بالشيوعيين الذي أنعش أفكارنا ، إلي محاضرات غسيل المخ التي فتحت علينا الزنازين ليلاً ، إلي حملة الوعاظ التي غنمنا منها صلاة الجمعة – ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين – حتى شغلنا بفيض النعم عن وطأة المحن ، إذ وصلنا من خلال الممارسة القدرية إلي اطمئنان قلبي تام إلي جنب الله ، كلما ألمت بنا خطوب ، أو أطبقت علينا محن ، أو وقعنا في مأزق ، إذ كنا نهرع إلي سلاحنا البتار سلاح التسبيح والاستغفار ، ويشهد الله أننا وصلنا إلي اليقين بأن الله يحيطنا بسور من فولاذ ، لا ينفذ منه إلينا شر ؛ لكثرة ما عانينا من صرف الأذى ورد الكيد في مواقف لا يحصيها العد .. حتى تحيرت إدارة السجن من فشل أهدافها ، فعزت ذلك إلي نجاحنا في التأثير علي السجانة وجذبهم إلي صفنا ، فكانت تبادر بتغييرهم ، فيوصي السجانة المنقولون إخوانهم الجدد ، وفي ليلة التسلم والتسليم يكون الوافدون قد تسلموا منهم أيضًا فهم قضيتنا مع تسلم المهمات العسكرية .. وفي اليوم التالي يتظاهرون أمام القائد والضابط سلومة بالاستعدادات للفتك بنا ، وبالتجاوب مع كل التعليمات المشددة والتحذيرات المهمة .. ثم ينقلون إلينا كل ما دار في اجتماعات الضباط معهم . ولما فطنت الإدارة أخيرًا إلي الحقيقة أرادت أن تحول بين الوافدين والمنقولين من السجانة ، فلا يلتقون وجهًا لوجه في تسليم ولا تسلم ، ورغم تنفيذها ذلك فقد أحبط الله كيدها . أما عن حملة الوعاظ ، فقد كانوا يحملون قلوبًا محبة لنا ، وآراء مملاة عليهم ليعظونا بها .. فمنهم من كان لبقًا في التوفيق بين قلبه ولسانه ، ومنهم من أخطأه التوفيق .. كذلك الذي أوصاه الضابط سلومة بما يلزم الضرب عليه من أوتار في خطبته .. واستمعنا إلي خطبة طريفة ذرفت منها العيون من كتمان الضحك ، من افتعال الخطيب الحماس في غير موضعه ، إرضاء للضابط الذي يقف خلف صفوف الصلاة بح صوته وهو يصرخ فينا :
- كيف تتركون أزواجكم وأبناءكم ولا عائل لهم .. وكيف تفضلون عليهم بقاءكم في هذا المكان الموحش وتتعرضون للمهالك ؟ - لقد تشبث ابني بثيابي وأنا قادم إليكم وبكي ، وقال : إلي أين أنت ذاهب يا أبي ؟ أتغيب عنا أسبوعًا كاملاً يا أبي ؟ أتحضر لي معك الحلوى يا أبي ؟ ثم اقترب بصوته منا وجحظ بعيونه إلينا قائلاً : - أليس لكم أبناء .. أليست لكم زوجات تحن إليكم وتنتظركم ، ثم عرج علي الرئيس عبد الناصر قائلاً : - لماذا تعارضون سياسته .. هل أنتم الذين أجلستموه علي الكراسي أم أن ربه هو الذي أجلسه .. إذاً مالكم وماله .. وأخذ في تعديد مآثره علي الأمة العربية والأمة الإسلامية وعلي العالم بأسره .
ولما أحس الخطيب أننا نغالب الضحك ، وأن بعض الإخوة انسحبوا من المكان ليصلوا الظهر ، معتقدين بعدم صحة صلاة الجمعة ، زمجر الشيخ ووجه إلينا تحذيرًا قاطعًا في ختام الخطبة الثانية إذ قال :
- اسمعوا .. اسمعوا .. - فازداد صمتنا وأرهقت آذاننا .. فقال : - إنني سأدعو للرئيس عبد الناصر باسمه شخصيًا ، فأمنوا ورائي بصوت مرتفع ، حتى أسمع المؤمن منكم من الذي لم يؤمن .. ثم جأر قائلاً : - اللهم وفق الرئيس عبد الناصر ، قالها وصمت برهة ، يتفرس فينا ، ويتفحص وجوهنا ، فقلنا جميعًا بصوت مرتفع آمين . - هرع الخطيب عقب الصلاة إلي الضابط سلومة ، الواقف خلف الصفوف مستفسرًا عن رأيه في الخطبة ، وليطمئن علي نتيجة الامتحان .. فهنأه الضابط قائلاً : - لقد كنت تستحق ضرب الحذاء علي هذه الخطبة .. فأسقط في يده .. أما نحن فقد استمتعنا بتمثيلية جيدة .. ملأت حياتنا بالفكاهة والتندر لعدة أيام .
ولم يسلم ليلنا من الفصل الثاني من تمثيلية الوعاظ .. فبعد أن أملنا في ليال هادئة نسترجع فيها ما كان من أمر الواعظ بعد سفره ، إذا بنا نفاجأ بحركة فتح وغلق سريعتين في الزنازين ، حتى جاء دورنا ففوجئنا بدخول واعظ جديد علينا بلا مقدمات ، وكأنما انشقت الأرض عنه ، فأخذتنا المفاجأة ، فبادرناه بقولنا :
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. إنس أم جن ؟ فضحك الشيخ الوقور ، وإذا به الشيخ محمد السيد الشهير بالشيخ جزجة ، الذي سبق أن زارنا بسجن جناح ، والذي يتمتع بحب الإخوان له وتقديرهم لعلمه وأدبه .. وتأنقه في الملبس والحديث .. ويبدو أن الإدارة بالسجن لم يكن غائبًا عنها شيء من ذلك ، فرأت في شخصه المحبوب تعويضًا عن فشل مهمة الواعظ السابق .. ثم فضلت إدخاله علينا ليلاً ، ليتاح له فرصة الحديث الودي المؤثر عن التكلف .. وأسدلت الستارة علي هذا الفصل كما أسدلت علي غيره من فصول . البجلات – مرصفا ..
بقدر تنوع أساليب الباطل بقدر تنوع مواجهات الحق له وتصديه إزهاقه وقد شحذنا كل ما أمرنا الله أن نتزود به من سلاح ، وأوله الإيمان ، وآخره الفخر الذي يبغضه الله إلا في ساحة القتال .. فهو وقصة أبو دجانة سواء .. بوحي هذا المنطق شكلنا جمعية البجلات – مرصفا ، تضم الأخ رفعت وأنا عن مرصفا ، والأخوين رجب الخميس وحسين عبد المعطي عن قرية البجلات ، تجتمع دوريًا كل ستة أشهر للتواصي بالحق والصبر ، وأمامنا بقية السنوات العشر المحكوم بها ، تتسع للعديد من الاجتماعات ، فلا داعي للعجلة فيها . وكانت الدعوة إلي الاجتماع الأول من نصيب قريتنا .. وأوصاني أخي رفعت أن أعد قصيدة بهذه المناسبة ، ريثما يفرغ من إعداد شراب الافتتاح . ولمحنا فضيلة الشيخ أحمد شريت عضو مكتب الإرشاد ، فأصر علي تمثيل الصعيد بشخصه في هذه الجمعية ، وجاءت قصيدة الافتتاح تحكي قصة الصراع الخالد بين الحق والباطل :
يا مـرحـبـًا بالبـاجـلات وبمن تقـدم مـن ثقـاة
صـنو لمرصـفــة التـي ذخـرت بـكل المعجزات
تـأتـي بمـا لـم يـأتــه أبـداً ســجل الخـالدات
تمـضي تقــدم بـالرضـا أبناءهـا حــتى البـنات
الفصل الثالث عشر : • من يوغسلافيا أمر عبد الناصر بتغيير معاملة السجناء .. • مرحلة جديدة من الحرب النفسية ضد الإخوان ..
المكان : معتقل أبي زعبل ، الذي يضم مائتين من الشيوعيين المعتقلين . والزمان : منتصف عام 1960 علي أثر مشادة وقعت بين إدارة المعتقل والشيوعيين ، استخدمت فيها عصي السجانة ، لتفريق المعتقلين ، وأصابت ضربة طائشة المُعَتقلِ شهدي عطية أودت بحياته .. إلي هنا والحادث عادي جدًا بمنطق الأجهزة المسخرة علي رقاب المواطنين ، وقد ارتكبت أضعافه في سجون ومعتقلات أخري ، وكوفئ المقترفون بمنحهم علاوة إجرام ، لكن هذا الحادث بالذات لم ينظر إليه جمال عبد الناصر نظرة عادية بمنظار المصلحة الوطنية .. فالحق والظلم والصواب كلها عند سيادته – فيما يبدو – مسألة نسبية ، تمليها المصلحة العامة ، أو يمليها تقديره الشخصي للمصلحة العامة .. وجاء موقفه من قصة القتل هذه تطبيقًا عمليًا لهذه المفاهيم الثورية التقدمية ، إذ أن القتل حدث في وقت كان يهم عبد الناصر فيه بتحسين علاقته مرة أخري بالكتلة الشرقية ، وخاصة روسيا ، بعد الأزمة التي حدثت بينهما بسبب مساعدة الشيوعيين في العراق لعبد الكريم قاسم في سحق ثورة الشواف ، وقد اعتقل علي أثرها أكثر من ألف سيوعي بمصر ، كان نصيب معتقل أبو زعبل منهم مائتان .
لم يعلم عبد الناصر بخير الحادث إلا داخل البرلمان اليوغسلافي ؛ حيث كان في زيارة رسمية ليوغسلافيا .. وكان حاضرًا في الجلسة البرلمانية التي وقفت حدادًا علي وفاة أحد الكوادر المناضلة في سبيل قضايا التحرر .. وعلم عقب وقفة الحداد بتفاصيل ما وقع في معتقل أبي زعبل من المترجمين المرافقين .. وقد أكد لنا الشيوعيون أنفسهم هذه الرواية مرات عديدة . وما أسرع أن تحركت كل قيم العدل والتصحيح هذه المرة ، لا لشيء إلا الآن وراءها مصلحة .. فلم ينتظر العودة إلي أرض الوطن ، وإنما مصلحة السجون ، واللواء إسماعيل همت وكيل المصلحة .. والعقيد البشلاوي وغيرهم من الضباط .. لم يقف الأمر عند هذه القرارات ، بل تبعتها تعليمات مشددة برفع الضغط عن السياسيين في جميع المعتقلات ، وكان المقصود به الشيوعيين ؛ لأن جميع الإخوان تضمنهم السجون . وحيث إنه يوجد معنا بسجن المحاريق ستمائة معتقل من الشيوعيين ومائة من المحكوم عليهم بالسجن فقد كان سجننا هو أخصب ميدان لتطبيق قرار التخفيف .. وأراد الله أن يشملنا التخفيف بجوارهم من حيث لا نحتسب ، من حيث لم تتجه إلي ذلك نية أحد من المسؤولين .
ونحرك الحقد الأصفر ..
توقف عمل السخرة علي الفور ، وتحولنا إلي الأراضي المحيطة بالسجن ، وإلي فناء السجن ، ننظف الأرض من القمامة والأحجار ، ونرشها بالماء ، وكذلك جميع الشوارع المؤدية إلي السجن ، خاصة الشارع الكبير المؤدي إلي المزرعة .. لكن هذا التحول المفاجئ لم يكن علي هوى الحقد الأصفر – أعني الضابط سلومة – الذي بني مجده علي صلته العلوية بأجهزة الأمن ، ونجح بسبب ذلك في جذب بعض رجال الإدارة إلي صفه ؛ بحيث يعملون بوحي منه اتقاء لشره ، وأملاً في تزكيتهم لدي رئاسته الخفية ، فكيف يوفق اليوم بين صورته تلك وبين قرار تخفيف عن السياسيين ، ولا يقتصر علي الشيوعيين ، وإن كان مفهومًا لدي الجميع أن سببه المباشر هو ما حدث لأحد المعتقلين الشيوعيين . ومع هذا لم ييأس الضابط سلومة ، فمسؤوليته المباشرة عن عنبرنا تعطيه الكثير من الحقوق علينا ، وتعطيه إمكانية تصعيد أي موقف فردي ، بحيث تؤدي إلي كارثة جماعية ، وله في ذلك خبرة سابقة وتاريخ معروف للجميع .. وقد بدأ سياسته الجديدة من وراء ستار السجانة المشرقين علينا ، بكثرة توجيه السباب والشتائم لهم مباشرة ، وتوقيع الجزاءات عليهم ؛ لحملهم علي دوام تشغيلنا في رش الطرقات وجمع الأحجار والقمامة ، فكانوا بدورهم يعودون إلينا بالرجاءات والاستعطاف ، حتى نبذل قصارى جهدنا ، ولا نكون سببًا في المزيد من الإيذاء .
وكانت عاطفتنا تجعلنا نضعف أمام ما يصيب السجانة بسببنا ، ولو اتجه سلومة إلينا مباشرة لكان لنا معه موقف آخر ، ولكنه كان خبيرًا بهذا اللون من المعاملة السردابية ، التي اختفت فيها نفوسنا بأصابع قوية غير منظورة لنا . كنا كلما أنجزنا عملنا واتجهنا لدخول العنبر لنحتمي من حر الظهيرة خرج علينا سلومة من وكره ساخطًا ، متوعداً السجانة بأشد العقاب ، فيعود المساكين بالمساجين مرة أخري ، لإعادة رش فناء السجن ، وتنقيته من أصغر الأحجار .. شحنت نفسي من هذا الضابط إلي أقصي حد ، وأفرغت ما في صدري في قصيدة هجاء لاذعة ، عاتبني عليها فضيلة الشيخ أحمد شريت عضو مكتب الإرشاد عندما ألقيتها في محفل عام من الإخوان جاء فيها : كل الأوضاع قد انعكست بين الجدران المشؤومه
وبلادي بالباطـل حكمت أما بالحق فمـحرومـه
والنفس كبـركان هدرت تحت الصرخات المكتومة
أواه إذا هـامـا انطلقت لتذيق مسـيلـمة سمومه
فاسمع إن شئت تجد عجبًا عن كلب يدعـي سـلومة
هذا الـرقطاء برمـتهـا لونًا وخصـالاً مذمومـه
هذا الأنثى في مشـيـته أنثى لبسـت زى حكومـة
فيـه بالطـبع طرواتـها لا رقـتـها فـيه نعومـه
ولـسوف يجيء له يـوم يتحـول بالتـالـي سومـه
يـا رب الناس ومالـكهم يـا رب العـرش وقيومـه
يا رب النصـر متى غدنا يـأتينا بـرغـم خيشومـه
لـيري المغرور ضآلـته ويري ألوية مـرسـومـه
وجنود الحـق مكـبـرة وجنود البـاطل مهزومـه
الخطاب الغريب والحرب النفسية ..
يبدو أن هذه الحيرة التي وقع فيها سلومة في التوفيق بين قرار التخفيف وبين سياسة جهاز الأمن الهادفة .. كلن يعيش فيها أيضًا من هم في مستوي أعلي منه . وكأني بالقرار الجمهوري بالفصل للرتب الكبيرة ، وبالتخفيف ، قد أربك سياستهم ، فعمدوا إلي الحرب النفسية لمواجهة هذا الموقف الطارئ ، ولعلهم يحققون بها ما لم ينجحوا في تحقيقه بالحرب السافرة . وحمل إلينا خطاب غريب ، ورد إلي السجن بوادر هذه الخطة الجديدة .. الخطاب بكلف إدارة السجن بعمل كشف بأسماء جميع الإخوان الذين أمضوا نصف المدة المحكوم بها عليهم ، تمهيداً للإفراج عنهم ، بمناسبة عيد الثورة الثامن . كان المأمور الطاغية هو أول من سارع إلينا بنبأ الخطاب ، ووجهه يفيض بالبشر ، وأخذ يجوب الزنازين مهنئًا ومتبادلاً الأحضان مع الإخوان ، والدموع تنهمر من عينيه .. دموع الاعتذار الصامت عن كل ما جري .. دموع الإنسان المقهور في داخله ، الذي كان مكرهًا علي البطش والإرهاب علي غير اقتناع منه ، وهكذا تفعل الديكتاتورية في تشويه النفوس . وكنا نحس أن دموعه صادقة لا تكلف فيها .. فنحن بفطرتنا ندرك أن هذا النموذج الباطش السافر في عدائه يكون في السعادة أسلم عاقبة يتبين له وجه الحق ، وعندما تتغير الظروف التي عميت عليه .. وهذا عكس النموذج الحاقد الحاسد الذي يكون وجهه الباسم وكلامه المعسول مجرد قناع لقلبه الأسود ، ومثل هذا لا يستطيع أن ينيب إلينا باكيًا بهذه السهولة .. ومن عجب أن فطرتنا كانت تدرك ذلك من أول يوم اجتمع علينا فيه حلف القوة الباطشة والحقد الأصفر .. ولقد كانت عاطفتنا علي البعد مع القوة ، مؤملين أن تفيء ، إلينا يومًا ما ، أما الحقد الأصفر المقنع بالابتسام ، والذي حاول أن يقنعنا من أول يوم أنه يعمل لصالحنا ، فقد كنا نضعه في المكان اللائق به من مشاعرنا التي لم تخطيء حسها فيه .
وتغير كل شيء ..
وبعد أن افتتح المأمور باب تهنئتنا بهذا الخير السار تقاطرت السجانة والموظفون علي العنبر مهنئين ، وتغيرت ملامح الحياة في السجن بسرعة ، فالأبواب تركت مفتوحة ليلاً ونهارًا ، والتفتيش توقف ، والممنوعات أصبحت مباحات ، والعمل حول السجن أصبح نزهة يومية ، نحرص عليه أكثر من حرص الإدارة نفسها .. واكتسي كل شيء ثوبًا جديدًا .. ذلك أن جميع من بالسجن قد تيقنوا بقرب الإفراج عن نصف مجموع الإخوان ، ممن ينطبق عليهم شروط العفو بنصف المدة .. لم يشك أحد في الأمر من رجال الإدارة أو الموظفين أو الشيوعيين أو المساجين العاديين .. الكل أصبح يعاملنا علي أننا ضيوف مرتحلون .. إلا فئة واحدة كانت علي يقين من أن شيئًا من ذلك لن يحدث ، وطوت الأمر عن الجميع .. وهذه الفئة هي نحن ..
محاولة ثانية ..
فقد فطنًا منذ اللحظة الأولي إلي أن هذا نوع من الحرب النفسية ، لجأوا إليه بعد أن أفلست الضغوط المتنوعة من التأثير علي أي أخ جديد ، بعد أن ظفروا بتسعة عشر أخًا بشق الأنفس . لم تكن الفطنة وحدها وراء هذا الإدراك لمراميهم ، بل والتجربة أيضًا ، فقد سبق أن استخدموا أسلوبًا كهذا في بعض السجون مع الإخوان المحكوم عليهم بخمس سنوات .. واليوم يعيدون الكرة مع المحكوم عليهم بعشر سنوات .. يقصد أن يتسبب عدم الإفراج – بعد أن تهيأت له النفوس – في إحداث صدمة نفسية ، تؤدي إلي تمزق الصف وتبادل التهم .. وربما قاموا بتكديرة مفاجأة ؛ ليكون وقع الصدمة أشد .. هيأنا أنفسنا لجميع الاحتمالات ، وتواصينا ألا نبوح لأحد بفهمنا للخديعة ، وأن نحسن الاستفادة منها إلي أقصي حد ، وأن نتلمس الأعذار للمسؤولين إذا طال انتظار الإدارة لتنفيذ الخطاب ، حتى لا تتحول عن سياسة التساهل معنا ، وقد نجحت خطتنا .. وتكونت لنا مظلة واقية من حر التقلبات التي كانت تلفحنا ، وبدأنا نتفيأ ظلال الاستقرار ، ونسرع في الاستفادة من أوقاتنا قبل أن يتغير الحال ، فقمنا بتنشيط حياتنا الداخلية ثقافيًا وإدارياً ، وتم إشرافنا علي جميع مرافق السجن ؛ لأن إدارة السجن لم تثق إلا في الإخوان ، لتعطيهم الإشراف علي المقصف والمخازن والفرن والمطبخ والورش ، وحاول الشيوعيين أن يظفروا بشيء ، فرفضت الإدارة إشرافهم علي أي مرفق . ولقد اقترحت في ظل هذا الاستقرار النسبي علي الإخوان أن يحرصوا علي تحديد المسؤولية عنا كل شهرين ، بحيث تتاح الفرصة لأكبر عدد من الشباب للتمرس علي مواجهة المسؤوليات ، تحت إشراف ورعاية إخوانهم الكبار ، ولكي تنمو قدراتهم القيادية ، ولكن الإخوان تخوفوا من هذا الاقتراح ، والتزموا إعادة انتخاب الإخوة المسؤولين أنفسهم في كل دورة ، وطبقت اقتراحي علي نفسي ، فلم أكن انتخب أي شخص مرتين متتاليتين ، مهما كان تقديري له ، لا علي مستوي الزنزانة ولا علي مستوي الجماعة .
ترحيل المؤيدين ..
طال الانتظار ، ولم يفرج عن أحد ، ولم يكن الأمر يكن مفاجئًا لنا .. ولم يفاجئنا كذلك قرار ترحيل المؤيدين التسعة عشر ، الذين ختمت بترحيلهم قصة التأييد حتى آخر يوم من السنوات العشر بالنسبة للمحكوم عليهم بعشر سنوات ، أو حتى اليوم للذين مازالوا بالسجون منذ خمسة عشر عامًا من المحكوم عليهم بمدد طويلة . ولم تفتر همة الضابط سلومة في التيئيس ، مستغلاً بترحيل المؤيدين يحكم علمه ببواطن الأمور ، حيث دأب علي تأكيد نية تأييدنا في هذا المكان .. وأنه سيعود إلينا مأمورًا للسجن بعد خمس سنوات أو يزيد ، ليجدنا وقد أصبحنا هياكل عظيمة .. ولم تفتر أيضًا في تتبع خطاباتنا ، بحيث لا تتسرب إلينا إلا الأنباء السيئة عن الأهل لتفتيت عزيمتنا ، وعمل بالتعاون مع رجال الأمن في المحافظات علي ذلك ، وأوهموا أهلنا أن مدهم لنا بالأخبار السيئة والخطابات هي لصالحنا ، لكي تتحرك مشاعرنا ، وتخفف من صلابة موقفنا . وكثير من الأهل ظلوا علي وعيهم بطبيعة الحرب النفسية ، والبعض وقع فريسة هذه الخديعة الماكرة ، ولم نقف من جانبنا عاجزين أمام هذه الأساليب ، إذ كانت لنا صلاتنا الجانبية بالأهل بعيدًا عن الطرق الرسمية ، من خلالها كنا نزودهم دائما بالفهم الصحيح ، ونزودهم بالثقة الدائمة في قدرة الله ووعده للمؤمنين .. وعندما وصلني خطاب من أخي الصغير صبحي يقول فيه :
وكل مسافر سيعود يومًا إذا رزق السلامة والإيابا
ورددت عليه بطرقنا الجانبية قائلاً :
وكل مسافر لله حتمًا سيرزقه السلامة والإيابا
سيرجع رافلاً في النصر يومًا فيلقي أهله ويري الصحابا
وإما أن يؤوب شـهـيد حق لدار الخلد فيها العيش طابا
فأمر المؤمنـين تـراه خيراً وإحدى الحسنيين لهم مآبـا
الفصل الرابع عشر : • لماذا أصبح الطغيان يتغزل بعزيمة الإخوان ؟ • هكذا كنت أري المستقبل ؟
حتى لا تتململ نفوس الإخوان من رؤيتنا في ندوات مستمرة مع الشيوعيين بلا ثمرة جديدة ، بعد حركة المستقلين ، شرعنا في تدبير الحصول علي الأوراق لكتابة بحث نجمع فيه خلاصة هذه الندوات .. ولما كان الحصول علي الورقة والقلم من أكبر المخاطر في السجن ، فقد آثرنا انتظار الأسابيع المتبقية علي قدوم شهر سبتمبر سنة 1960 ؛ حيث تنتهي مدة الإدارة الحالية للسجن ، ونعرف طبيعة الإدارة الجديدة . وكان مأمور السجن الطاغية فريد شنيشن قد بدأ في أيامه الأخيرة يفصح عن تقديره لنا بأسلوب عملي ، أدركنا مغزاه حين وضع جميع مرافق السجن تحت إشرافنا ، وخاصة مرفقي المخازن والمزرعة .. وسرعان ما نهضت الزراعة تحت إشراف الأخوين سعد لاشين ومصطفي الكومي ، وتكونت فرق لمختلف الأعمال فيما يقرب من أربعين فدانًا هي مساحة الزراعة .. حتى حظيرة البهائم خصصت لها فرقة لعزفها ونقل السماد منها إلي الحفل .. وأخذت مكاني مع فرقة العزق تارة ، وفرقة الخطيرة تارة أخري ، لأشبع حنيني إلي القرية ، وأغواني " عنتر " بنقل السماد عليه ، وأطلق الإخوان عليه اسم الصاروخ " الرماح " . وعنتر هذا له ملف في المصلحة ، ونفقاته أكبر من نفقات أي مسجون .. وقد صار هذا الحمار مصدر تسلية لنا جميعًا ، لشراسته ، ولكثرة من أوقعهم علي الأرض .. وقد أحسن الأخ رشدي عفيفي باستخدامه في تهريب الممنوعات إلي السجن .. والأخ رشدي شيخ خفر سابق ببلدة كفر الشيخ إبراهيم مركز قويسنا ، وله قدرة عجيبة علي ترويض السجانة ، وتذليل الضباط والموظفين في كل سجن نزل فيه ، وتحتاج مغامراته لكتاب مستقل .. وقد بدأت الممنوعات بداية محدودة ن باتصالنا بأهالي الواحات علي حدود المزرعة ، حين كنا نتصدق علي أطفالهم بما يفيض عن احتياجاتنا من الخبز ، ومن بعدهم جاء الأهالي . وكان الإخوان يجمعون الأطفال في شكل فصل دراسي لتعليم القراءة والكتابة ، وتعليمهم الصلاة ، وسمعنا الكثير عن حياتهم العجيبة ، فهم لا يعرفون سوي صنفين من الخضار : البامية ، والملوخية التي تطبخ بالزيت ، أما الملح فهو من سبخ الأرض ، وإفطارهم . لا يتعدي رأس البصلة ، ولا يعرفون السمك ولا عشرات الأصناف من الطعام ، ولولا أن الله أمدهم بالتمور لهلكوا .. كانت حاجة أجسامهم الهزيلة إلي الملح شديدة ، وهم يفضلونه علي أي نوع من الشيكولاتة أو الدربس ، فكانوا يتزاحمون علي نحضره من الملح ، ويتلذذون بامتصاصه ، وهم في أشد حالات الفقر ، طيبو الأخلاق ، لا يعرفون الكذب إطلاقًا ولا السرقات .. وكانوا يبيعون لنا التمر والبيض والطيور المذبوحة ، ويتولي الأخ رشدي الإشراف علي شبكة التهريب ، والمرور من جميع حواجز التفتيش ، بحيث يصل لكل زنزانة نصيبها ، وسهل الرماح عليه المهمة عندما استخدمه في نقل ما أنتجته المزرعة من خضروات إلي مطبخ السجن . لا .. للشيوعيين .. لم يوافق المأمور علي إشراك الشيوعيين في العمل معنا بالمزرعة ، وإنما سلمهم قطعة أرض مجاورة لها ، يستصلحونها لحسابهم ، وبذلوا فيها جهدًَا كبيرًا ، حتى أصبحت منافسًا خطيرًا للمزرعة الأصلية . وغادرتنا الإدارة .. بوصول المأمور الجديد علي رأس الإدارة الجديدة أذنت المجموعة القديمة بالرحيل .. أما الضابط سلومة فكان مستخذيًا ينظر بعينين كسيرتين إلي الأرض ، وهو يتلقي تقريع الأخ رشاد المنيسي ضابط الشرطة السابق ، صاحب الأيادي البيضاء عليه ، والذي كان سببًا في نقله إلي مصلحة السجون في بدء الثورة ، عندما كان لرشاد سلطان في وزارة الداخلية .. أما القوة العمياء ، فقد تفتحت عيونها وأبصرت الحقيقة ، وصدقت فراستنا فيها .. فالمأمور شنيشن اليوم كثيرة الإشادة بعزيمة الإخوان ورجولتهم .. كثير المجاهرة بنجاحنا ، والأمانة في إدارة مرافق السجن ، بعد أن وصله خطاب شكر من إدارة مصلحة السجون ، لدقة الأعمال المالية والإدارية ، وكان شجاعًا في نسبة هذا الفضل لأهله .. ومر علينا بالزنازين دامع العينين ، مودعًا ، وبرفقته المأمور الجديد يحيي شاكر ، ولم ينس أن يوصيه قائلاً : أنت مع أأمن ناس وأرجل ناس في البلد .. سلم لهم كل شيء في السجن .. وكن مطمئنًا إلي أن خطابًا سيصلك من المصلحة يخصك بالشكر .. فرحة الانتصار .. وهكذا طويت برحيل الإدارة القديمة صفحة عام كامل ، مشحون بالأحداث والمواقف المثيرة والمجادلات الفكرية . عام واحد من الزمن أضاف إلي أعمارنا أعوامًا كثيرة بحساب المواقف والأحداث . عام في باطنه الرحمة .. وإن كان في ظاهره العذاب .. خرجنا في نهايته منتصرين في كل ميدان .. منتصرين علي عوامل الضعف في أنفسنا ـ بزيادة اقترابنا من الله في السر والعلن ، إذ لم يكن لنا سلاح أمام هذه الظلمات إلا سلاح الإيمان بالله ، القادر علي أن يقول للشيء : كن فيكون .. فكنا نري الفعل منه وحده يجريه علي أيدي الإدارات لحكمة هو بالغها لمستقبل دعوته .. وكم أرانا من آياته في رعايتنا ودفع الأذى عنا وجلب المنح إلينا من قلب المحن ما أشهدنا علي صدق وعده لعباده المؤمنين .. منتصرين علي عوامل الضعف في صفنا ، فلأول مرة نحيا عامًا علي قلب رجل واحد ، بقيادة واحدة ، لا حرج ف6ي الصدر عليها ، فالانسجام والحب ظلا قائمين من القمة إلي القاعدة ، ومن القاعدة إلي القمة ، في شعور صادق بالجسد الواحد ، حتى لكأننا جدار صلب أمام أحداث الأرض كلها .. أتحرك وأنام وفي ذهني مكان وفي قلبي لكل أخ من هذه المجموعة ، حتى لكأنني جسم كبير له مئتا قلب .. ينتفض بالألم ويهتز بالطرب في وقت واحد لما يحدث لأي خلية فيه .. فالحزن والفرح شركة تجعل الحزن مشتتًا والفرح مضاعفًا .. ولأول مرة نتذوق معني الحياة الحقيقية ، التي لا يعرف الخوف طريقه إلي قلب أخ فيها ، حتى الموت نفسه كان له حلاوة بين هذه النفوس المؤمنة ، التي تعيش في روض دائم من الرحمة والأمان ، ولم يكن بوسع أحد من رجال الإدارة الموكلين بإيذائنا أن يدرك أو يحس شيئًا من هذه المعاني ؛ لأنهم عندما رأوا الأحداث بحجمها المادي وبقيمتها المادية هالهم ما يُفعل بنا علي أيديهم ، فكانوا في واقع الأمر هم المكدرون المنفيون ، وهم المعذبون بأيدينا أيضًا أيدينا البيضاء من غير سوء .. وخسر الأذكياء بأساليب القهر مسألة الزمن .. فها هي الدعوة الإسلامية تسجل علي أرض الواحات عامها الخامس ، مضيفة لرصيد ثروة من التجارب الجديدة .. وخرجنا منتصرين أيضًا علي سراب أحمر ، حسبناه ماء حتى إذا جئناه لم نجده شيئًا .. هو سراب الماركسية .. رؤية جديدة ..
- كيف تري المستقبل ؟ - قلت : أراه من خلال ما جري علي أرض الواحات حتى اليوم .. من صراع فكري مع الشيوعيين ، ومن صراع مادي وفكري مع ممثلي السلطة ، وهو بعين الغيب قدر الأمة العربية كلها ، وقدر العالم الإسلامي أجمع .. حين تمضي إلي نهاية الشوط وراء سراب الرأسمالية .. فهي كلما أوغلت في السير كلما اشتد وطيس الصراع في النفوس بين هذا القادم الغريب وبين موروثاتها من كنوز الإسلام ورصيدها من طبيعة الفطرة ، وسيحسم التاريخ هذه المعارك الخفية لصالح الحق الخالد مرة أخري .. نحن هنا إلي أن وصلنا إلي هذا اليقين دفعنا زهيدًا من أموالنا وأعمارنا ، ولا يعلم إلا الله كم ستدفع الأمة العربية والأمة الإسلامية من تضحيات جسام علي كل صعيد ، وكم ستقضي من أعوام ، وإن كنت أقدر لذلك عشرين عامًا علي الأقل ، لكي تفيء إلي أمر الله ، بعد أن تترك وراءها مخلفات معارك طاحنة في اقتصاديات البلاد وأوضاعها الاجتماعية والسياسية ، وبالتالي في عقائدها وقيمها الأخلاقية ، وعلينا أن نتذرع بالصبر حتى يحين ذلك اليوم ، الذي تتلفت فيه الأمة ، بحثًا عن خلاص لمشاكلها ، والتماسًا لنور يبدد ظلماتها ، فعندئذ ستشاهد راية الحق مرفوعة لم تنخفض ، وشمس الهدي مضيئة لم تنطفئ ، وإن وضعهما الطواغيت وراء الجدران في مصر واندونيسيا وباكستان وغيرها من البلدان . جري هذا الحديث بيني وبين الأخ أحمد الجبيلي في ضحى يوم من أيام مطلع عام 1961 ، أثناء تجوالنا بأرض الطابور في الفناء الواقع أمام عنبر (3) الخاص بالمعارضين .. فهل تصدق الأيام ظني .. ما أراها إلا كذلك إ|ن شاء الله . الباب السادس قطار الواحات لا قطار الصعيد الفصل الأول : • ألغاز وأسرار وراء ترحيل الإخوان إلي وادي النيل :
( )
صدق الله العظيم
قطار خارج دائرة الزمن ، يسير مرة واحدة كل أسبوع من بلدة المواصلة حتى مدينة الخارج عاصمة محافظة الوادي الجديد .. وهو الاسم الذي أطلق بعد الوحدة مع سوريا علي الواحات الخارجة .. وكلمة الوادي الجديد التي لعنت بمشاعر الأمة وأحلامها في الرخاء ومضاعفة الدخل سنين عديدة تثير في نفوسنا نوعًا عكسياً من المشاعر , هي مشاعر الألم لصورة فريدة من صور الخداع والزيف.. حيث كانت السياسة غير الرشيدة أولاًً وأخيراً وراء إثارة قصة الوادي علي أوسع نطاق .. إذ كان المقصود بها أولاً الرد علي أشيع في سوريا بعد الوحدة من أطماع مصر في مزارعها وغلالها .. ولقد سمعت بأذني في سجن جناح خطبة لجمال عبد الناصر ، يتحدث فيها عن الوادي الجديد ، وينفعل قائلاً : " وستأكلون منه قمحًا هذا العام " ، وضجت الأيدي بالتصفيق ، وبحت الحناجر بالهتاف ، وتغنت الصحافة بعد ذلك باخضرار الصحراء عند مروره عليها .. وكنا نري بأعيننا ما يسمعه الناس بآذانهم ، ونسمع من المقربين من مهندسي الإصلاح ما لا يعلم أحد عنه شيئًا .. فتلك مساحات كبيرة ملاصقة لمزرعة السجن زرعت علي الفور قمحًا ، ولم يهتم المهندسون يكون السنابل خالية من الحبوب لضعف التربة ، فحسبهم أن الرئيس ومرافقوه سيشاهدون هذه المساحات الخضراء التي تحيط بالمطار .. ولكن الأحداث شغلت جمال عبد الناصر ، فلم يحضر حتى ضم القمح ، ولم ييأسوا من حضوره ، فتركوه أكوامًا في الأرض شهوراً أخري ، لعله يراها علي هذا الحال ، أو تلتقط لها الصور .. مصنع الألبان الذي تمده مئات الأبقار باللبن بزعمهم كانت نواته ما يقرب من عشرين عجلاً ذكرًا ، لم تتحول إلي أبقار بعد ذلك أبدًا ، بل أخذت في التناقص ، واستقر بها المقام في مزرعة السجن .. ترعة الماء التي رأيناها في الصورة ، كأنها نهر صغير عبارة عن مجرد جدول ماء عادي ، يسهل القفز علي شاطئيه .. حدثنا مهندسو الإصلاح عن شرائهم حبال بخمسة وعشرين ألفًا من الجنيهات لأغراض لا يفهمونها . قلت لإخواني ونحن نتابع قطار الواحات ، وهو يظهر ويختفي خلف التلال كثعبان له فحيح :
- متى يأذن الله لنا بركوب هذا القطار مرة أخري ؟ فتضاحكوا من هذا المطلب العسير ، الذي لا يظفر به إلا من قطع شوطًا طويلاً في تأييده وإظهار الولاء ، وأصبح علي أبواب الإفراج .. وكان الواقعيون من المؤيدين يرون في مجرد الترحيل إلي سجون الوادي بعيدًا عن هذا التيه ثمنًا عادلاً للتأييد ، حتى لو تأخر الإفراج .. وحسبهم علي المدى القصير بقطار الأحلام هذا مغنمًا ..
وبعد مرور عدة أيام علي هذا الحديث ، وبالتجديد في 28 فبراير سنة 1961 ، الذي يوافق العاشر من رمضان المعظم ، سمعنا حركة غير عادية في العنبر ، بينما كنا نجلس خارجه نقرأ في بعض الكتب ... وجاءنا من يقول : إن كشفًا وصل لإدارة السجن بترحيل سبعين أخًا إلي سجن القناطر الخيرية ... اختلطت الدهشة بالفرحة بالتخوف في نفوسنا ، لمعرفة ما ينطوي عليه هذا العمل من أغراض مباحثية ؛ لأن الترحيل لم يشأ الجميع ، وهكذا يؤدي ضياع الثقة إلي عدم رؤية الأشياء من زواياها المضيئة . أما ثقتنا في الله ، فقد عودتنا أن نري الأشياء بغير العين التي يري خصومنا الأحداث بها .. إنا نراها فرجًا واتساعًا حين يرونها هم همّاً وضيقًا ، ونراها عافية ومنحة حين لا يرونها إلا بلاء ومحنة ، ونراها كرامة وشهادة حين لا يرونها إلا قتلاً وإعدامًا ... ونري نصر الله قريبًا حين يرونه بعيدًا بعيداً .. (• ) وتمت المفاجأة بوجود اسمي بين هؤلاء المرحلين ... وضمن ركاب القطار الذي سبق أن رأيناه عند عودته إلي أحضان الوادي الخصيب ... ومنذ وقف الأخ المنيسي المسؤول العام فوق الكرسي في صالة العنبر ، والإخوان ملتقون حوله لسماع أسماء المرحلين ، وحتى صبيحة اليوم التالي الذي تم فيه الترحيل ، والإخوان لم يطرف لهم جفن ... ويعجز قلمي عن تسجيل مشاعر تلك الليلة ، لأن الحقيقة عندما تنصل بالنفوس الزكية وبالقلوب المؤمنة فإنها عندئذ ترقي من عالم من عالم الشهادة إلي عالم الغيب ، ومن المحدود إلي اللامحدود ، ومن الزمن الفاني إلي الأبد الخالد ، وبالجملة من عالم البشر إلي أسرار القدر .. هذه حقيقة تُحس ولا توصف ، ولا يصدقها من لا يعلمون إلا ظاهرًا من الحياة الدنيا .. حسبي أنني مازلت حتى هذه الساعة أحس حلاوة تلك الساعة ، وأدرك سحرها ، حتى لأعبر بحر الزمن بخيالي بين الحين والحين ، لأستروح نسمات هذه الجزر العائمة علي سطحه ، أتفيأء ظلالها يومًا ، وأنتشي بشذى زهورها وتغريد طيورها ... وليلة الرحيل في سجن المحاريق واحدة من تلك الجزر الزمنية العائمة فوق كل أمواج البحر وأعاصيره ... وأنا أعرف قيمة مثل تلك الليالي جيدًا ، وأحسن التعامل معها بكل نوافذ الغيب في نفسي ، لذلك عشت ليلتي كالنحلة المتنقلة من زهرة إلي زهرة ، وأودّع هذا الأخ ، وأوصى ذاك ، وأتقبّل النصيحة من هذا ، وأزجيها إلي ذاك ... الضحكات ... الدموع ... الصلاة ... الاستغفار .. أحاديث الرجال ... عهود المؤمنين ... مواثيق المجاهدين مع الله ... رنة الانتصار في النبرات ... بريقه في العيون ... كل هذا كانت تتسع له ليلة واحدة في قلب سجن بعيد ، في جوف صحراء ورجله ، ليفرق بين القلوب ، وليطفئ نور الله ، فكانت هذه الليلة خير رد من الله علي عجز الإنسان وجهله وظلمه لنفسه المبين ... آن لهذا النحل المرتحل أن يدع هذه الزهور المقيمة قليلاً ، ليجتمع حول ملكته في خلية واحدة ، ليتزود منها بالحكمة قبل أن يطير مع تباشير الصباح ... وتكلم فينا الأخ عبد العزيز عطية عضو مكتب الإرشاد ، ومن بعده الأخ رشاد المنيسي المسؤول العام ... وزادوا علي كلماتهم التوجيهية بعض أوامر تنظيمية ، تتلخص في تعيين خمسة من الإخوة كمسؤولين عنا ، بينهم أمير الطريق ، ريثما نتدبر أمورنا في سجننا الجديد ، وعلقت بذهني عبارتان محددتان في هذا الاجتماع ، الأولي ... من الأخ عبد العزيز عطية وهو يوصينا إذا ما حيل بيننا وبين قيادة الجماعة بعد الإفراج عنا بعد أي مدة من السنين ؛ ألا يقوم أي أخ بعمل أي شكل من أشكال التنظيم ما لم تتصل به القيادة ، حتى لا تحدث انحرافات ، والعبارة الثانية ... من الأخ رشاد المنيسي وهو يكرر علي مسامعنا : يا أخي كن الحل ولا تكن المشكلة . وبعد صلاة الفجر أخذنا نعد أمتعتنا ، استعدادًا للسفر ... ومع شروق الشمس وصلت العربتان المخصصتان لنقلنا إلي محطة القطار ، وتجمعنا في الساحة المواجهة لمبني الإدارة ، وحضر المأمور يحيي شاكر ، وودعنا واحدًا واحدًا ، وأذن للإخوة المقيمين بالعنبر أن يخرجوا لوداعنا ... وتبادلنا العناق ، وهطلت دموع الحب من حول العربتين السابحتين في موج أزرق من حلل الإخوان ، وفي أشعة غير مرئية من خفقات القلب ... وكان موقفًا مثيرًا ذرفت له دموع المشاهدين من رجال الإدارة ، وعلي رأسهم المأمور ، الذي أقسم أنه لم ير في حياته ، ولم يسمع عن مجموعة من الناس بينها مثل هذا الحب الصادق العجيب ... وأقلعت العربتان والأيادي متشابكة مع بقية الجسم الذي تركناه وديعة عند الله في هذا الوادي السحيق ... وعجزت الأيدي عن ملاحقة سرعة السيارات فأخذت الأرجل تعدو وتسابق الريح ... ثم عجزت الأرجل بعد حين ، فامتدت الأذرع بالتلويح ، ثم أخذت تشير بالمناديل حتى اختفينا عن الأنظار ... تحرك بنا القطار الموعود إلي المواصلة ، أول مدن الوادي الحبيب ، الذي غبت عنه قرابة الست سنوات ، لم أر خلالها أحد من أهلي ... وكانت هذه الرحلة هي آخر عهد القطار بهذا الطريق الحديدي ، الذي تقرر إلغاؤه ، والاستعاضة عنه بالطريق الصحراوي الجديد بين أسيوط ومدينة الخارجة عاصمة الوادي الجديد ... تذكرت يوم أن حمل هذا القطار أول مرة عام 1955 نفوسنا الغضة إلي مصنع الصحراء .. ذلك المصنع الرباني العجيب ، الذي لم تهدأ الحركة فيه يومًا واحدًا علي مدار السنوات الست .. وكيف أحدث هذا المصنع تغييرات عميقة في نفوسنا ... لقد خرجنا منه اليوم بنفوس أخري أكثر لمعانًا ، بل وبأجسام أخري أوفر نقاء ، لأن خلايا الجسم تتجدد جميعًا كل خمس سنوات ... فها نحن نعود اليوم بعد أن تجدد فينا كل شيء ... وإن شاء الله خلقًا آخر ... توقفت خواطري مع ظهور أول ملامح الحياة في الوادي الأصيل ... فالشجيرات المتناثرة في الصحراء تفتح لنا أذرعها من بعيد .. وكلما اقتربنا من الوادي كلما ازدادت كثافتها وكأنها جماهير تزحف نحونا .. وتؤنسنا رؤيتها ، وأشجار النخيل تتطاول وتستعلي عليها ، لتؤكد لنا دائمًا أنها سيدة كل أشجار الصحراء بلا منازع ... الأنفاس الأخيرة .. دخل القطار محطة – القارة – التي يلتقي عندها جدب الصحراء بخصب وادي النيل .. وكان لمخالطتنا الحياة الطبيعية عن قرب فرحة كبيرة فقمنا بشراء الطماطم والخضروات من الباعة الواقفين علي جانبي القطار ، وكأن عيونهم الذكية تقول لنا : نحن نعرف كل شيء عنكم . وقد أبدوا لنا مع فقرهم الكامل السماحة والكرم ... ثم تحرك القطار بعد هذه الوقفة الخفيفة حركة أخري أخيرة ، كأنها حشرجة الموت ، لفظ بعدها أنفاسه الأخيرة عند بلدة المواصلة .. وألقينا عليه نظرة الوداع ، وأشرق وجهه الأسمر بابتسامة الرضا ؛ لأنه ختم حياته بخير حمل علي ظهره ، وإنما الأعمال بخواتيمها .... والأشياء كالأشخاص منها الشقي والسعيد .. صعدنا في طابور عسكري إلي رصيف محطة المواصلة ، في انتظار قطار الصعيد المتجه إلي الوجه البحري .. الحراسة مشددة حولنا ؛ حتى لا يتصل بنا أحد .. تهديدات الضابط فتوح تتوالي ، وأوامره للحراس كالمطر ، كأنه يقود فيلقًا حربيًا .. أخذه منظر صلاتنا للظهر والعصر قصرًا مع جمع التأخير ، فأصدر أوامره علي الفور بإدخالنا في إحدى الكبائن الخشبية ، حتى يحين موعد وصول القطار ليلاً .. همّ بعض الإخوان بمعارضة الأمر ، لكننا في النهاية غلبنا علي العقل علي الحكمة .. حشرنا فيها وقوفًا ، وصلينا المغرب والعشاء بالإيمان علي أكتاف بعضنا ، ونحن كتلة واحدة ، لا موضع فيها لقدم .. وأخرجنا وصول القطار من هذا السجن الصغير إلي عربة المواشي المخصصة لنا ، ولم نكن نتوقع من نظام لا يحترم الإنسان إلا بالشعارات غير هذا التكريم .. وغافل أحد المواطنين الضباط والحرس ، وقذف – بلبشة – من القصب في العربة في اللحظات الأخيرة من تحرك القطار .... وطفرت دموع الشكر من أعيننا .. فمن يدري ربما لا يملك المسكين غير ثمنها .. وأشفقنا علي مصيره ؛ لأنه لا يدري أن جميع المحطات ملغمة برجال المباحث لضبط أي اتصال بنا .. شكر الله له ، وكان الله في عونه ...
الفصل الثاني : • أهداف الترحيل واختلاف أهداف المخططين .. • من هم أصحاب النظام الواحد والمحصول الواحد ؟؟
سار القطار يحمل أحلامنا وتخوفاتنا معًا .. فقد كانت أهداف الترحيل معروفة لنا جيدًا .. وتجمعت لدينا سحبه قبل ذلك بالمحاريق .. وكنا نظن أن بقية عقل وضمير لدي المسؤولين ستقنعهم بفشل أساليب الضغط والإكراه بعد هذه السنوات العجاف من الطغيان ، وأنهم سيلجأون إلي التفاهم المباشر معنا ، تغليبًا لمصلحة الوطن العليا في عودة الحرية علي مصلحتهم الشخصية في التسلط والأحقاد .. وكنا نستبعد تحقق الإرهاصات طالما كنا مع الشيوعيين في سجن واحد ؛ لأن هناك قصدًا سياسيًا في معاملتهم طيبة ، كما أن المأمور الجديد يحيي شاكر ليس هو الشخص الذي يوكل إليه بمهام شريرة .. وإذا صحت الأخبار التي وصلتنا لكانت تستلزم لتنفيذها إدارة ومكانًا جديدين .. وها نحن اليوم في طريقنا إلي إدارة ومكان جديدين .. إذن فنحن علي أبواب تنفيذ السياسة التي سمعنا عنها ، خاصة وأن مواصفات المجموعة المرحلة توحي بأن الرحيل ليس بقصد الإفراج .. فجلها تقريبًا في سن الشباب ما بين العشرين والثلاثين .. وإلا لشمل كبار السن أو المرضي .. مما أكد ما كان ظنًا وقرَّب ما كان بعيدًا ..
- فقد اتفقت تقارير كل الذين يخططون ضدنا – من تجار الرقيق ومن يمثلهم من رجال الإدارة وعملائهم من الشيوعيين ومن أطلقنا عليهم ( البسابس ) من ضعاف المؤيدين من مختلف السجون – علي ضرورة فصل كل عناصر الشباب عن قيادتها .. وذلك بترحيلهم إلي سجن القناطر الخيرية الموجودة به بقايا المؤيدين من مختلف السجون ، انتظارًا لدورهم في الإفراج ، وبهذه المبادرة أو الضربة الفنية تتحقق النتائج التالية .. - عزل الشباب عن مراكز التأثير . - عزل القيادة عن قاعدتها فيضعف سلطانها .. بحيث يصبح الشباب جسمًا بلا رأس ، والقيادة رأسًا بلا جسم .. فيسهل إضعاف كل قسم علي حدة ، برسم خطة مناسبة لكل منهما ... - وفيما يختص بالشباب ، فإن وضعهم في سجن القناطر سيفيد في اتصالهم بأسرهم عن طريق الزيارات ، ويلمسهم مظاهر الحياة المدنية عن قرب ، فتتيقظ مشاعرهم التي تجمدت من قسوة الضغط ومن طول البعد في جوف الصحراء .. عندما تستيقظ المشاعر تتصاعد الآلام الساكنة ، وتتحرك الرغبات المكبوتة ، وتهيج العواطف ، ويزداد الإحساس بوطأة القيود وبمحنة التخلف عن ركب الحياة ، وبما أصاب الأسر من كوارث لبعد عائلها ، فإذا اقترن كل ذلك بهمس المؤيدين ثم إحداث التأثير المطلوب بحملهم علي التأييد ، والتخلي عن فكرة الجماعة ، والرغبة في الخروج من السجن بأي ثمن .. وربما اضطرت الإدارة إلي غسيل المخ أو التكديرات المعهودة كحل أخير في سبيل الوصول إلي هذا الهدف . العمل واحد والجزاء مختلف ..
ومن الطريف أن يشارك في هذا التخطيط أشخاص يحبوننا ويعتبرون أنفسهم في خط الدفاع الأول عنا ، رغم ظاهر علاقتهم المباحثية .. وكانوا يحتفظون في أنفسهم بالغرض الحقيقي في دفع الأذى عنا ، واستبدال الضغط المادي والنفسي الطويل بسياسة تيقظ المشاعر ، التي تستلزم الترحيل إلي مكان جديد في قلب الحياة الطبيعية .. ومن عجب أن تتشابه أعمال المخططين وتتباين نواياهم ، فيكون لبعضهم الأجر وعلي بعضهم الوزر للعمل الواحد نفسه ..
أشياء فاتتهم :
والأمر الذي لا يعلمه أصحاب النوايا الخبيثة أن شيئًا من هذه التحليلات لن يفيد .. لسبب بسيط هو أنهم يجهلون النفوس التي يخططون لها .. بل ويجهلون حتى أنفسهم .. إنهم لا يعرفون من أين تستمد النفوس قوتها .. من غرائزها .. أم من إيمانها .. ولا يفهمون الإيمان نفسه إلا أنه جماع أغراض مادية .. جهل مركب جعلهم لا يستطيعون تجاوز السطح في فهم الوجود أو في علاج ظواهره . هذا هو دأبهم دائمًا حتى لو صحت نواياهم .. أما عندما تسوء النوايا ويجتمع الشر والجهل معًا فإن عمي القلوب يكون مطبقًا ، والأساليب تكون أكثر فجاجة ، والنتائج تكون أكثر فشلاً . كنا ندرك هذه الحقائق .. وندرك أن جهلة النفوس لا يدركون أن مشاعرنا متيقظة علي الدوام ، وأنها لم تتجمد يومًا واحدًا رغم كل ما تعرضنا له .. يشهد بذلك أسلوب حياتنا الخصب وعلاقاتنا الحية في كل شيء من حولنا .. ويشهد بذلك أيضًا وقوفنا كالصخور حتى اليوم ، والابتسامة علي وجوهنا ، والدموع الرحيمة قريبة من مآقينا .. إن صلاتنا الموقوتة والقرآن العظيم يمداننا في كل ساعة من ليل أو نهار بخيوط من نور ، ويربطاننا بجميع أشكال الحياة الإنسانية ، وبجميع الأمم والشعوب في كل العصور .. فنحن في روضة مزهرة بالمشاعر ، وبالاتصال الدائم بكل قضية مهما صغرت من قضايا الوجود .. لم نفقد التوازن يومًا بين تلك الحياة العريضة أمام الأساليب البربرية .. ولم نرم بثقلنا النفسي كله وراء موقف واحد علي حساب خيوط النور العديدة التي تغذي كل خلية في كياننا .
إننا لسنا من أصحاب المشروع الواحد أو المحصول الواحد .. إن أفكارهم ومشاعرهم مثل نظامهم .. نظام المشروع الواحد الذي تجند له الأمة وتحشد له كل الطاقات علي حساب المشاريع الأخرى .. ثم عندما يتضح فشل هذه السياسة التي أوقفت النمو المتوازن في جميع المشاريع يحدث العدول عن الأول بنفس السهولة والضجيج . فعندما ترمي الدولة بثقلها وراء النهضة الاقتصادية تقتل في الطريق كل عوامل النمو الاجتماعية والسياسية والأخلاقية .. تقتل الإنسان .. حياة شاذة .. يعيشونها بمنطق التضخم السرطاني الذي يتضخم فيه عضو واحد علي حساب بقية أعضاء الجسم .. فكيف إذن يدرك هؤلاء طاقة التحمل عند غيرهم .. أو أسباب التعامل معهم .. خاصة إذا كان هذا الغير من كتيبة الإيمان . تسمعنا ونحن نتحدث في شؤوننا الخاصة وفي أحلامنا القريبة عن الزواج والأبناء .. فتقول : هؤلاء قوم تعلقت قلوبهم بالدنيا .. وترانا وصدورنا تغلي بالغيرة علي دعوتنا وبصد الهجمات عنها فتقول : ما هؤلاء بشر لهم في الدنيا نصيب . إن ما أعدوه لنا هي فرصتنا الجديدة لملاقاة الباطل .. فأسلحتنا هذه المرة ستكون أكثر مضاء ..
خلوة مع النفس ..
كانت الخواطر السابحة والأفكار الدائرة في رؤوسنا والمشاعر العميقة تتشابك مع بعضها ، وتتكثف حتى تصير أحاديث وتعليقات .. وكنت بعدها أخلو مع خواطري الخاصة كلما وقفت أمام القضبان الحديدية التي تسد الشباك ، أجاهد التطلع إلي الأفق البعيد أثناء سير القطار .. ولكنهم يضنون علينا برؤية مناظر وادينا الحبيب ، فوقَّتوا سير القطار بالليل ، بحيث يدخل القاهرة مع مطلع النهار .. عشت لحظات سعيدة مع أحلامي ، وحرمَّت النوم ، علي عيني وهي تتابع حركة الأشجار في قلب الظلام .. أشجار مختلفة الأحجام والأطوال ، زادها الليل غموضًا وسحراً .. وأنطقها حديثًا وسرًا .. وجبال بعيدة وصخورًا عاتية تقترب من القطار ، كأنها تحييه ، ثم تتراجع بظهورها إجلالاً وحبًا .. لم يكن القطار يتوقف إلا في عواصم مدن الصعيد ، فتأخذني مظاهر الحياة الوادعة ، فإذا ما تحرك القطار لفه الظلام ، ولفتني أفكاري وخواطري مرة أخري .. مرة واحدة سمحت لنفسي بالخروج من خواطري ، رغم أن القطار لم يتوقف في أي محطة ، وهي عندما مر القطار في مطلع الفجر من محطة العياط ؛ حيث توجد أختي وأسرتها وزوجها المضياف حين كنت أزورهم منذ ست سنوات .. فألقيت نظرة عجلي علي مبانيها ، قبل أن ينتزعها القطار مني ليلقيها علي الأشجار والحقول ، وبعض المباني التي أخذت تتقاطر علي جانبي الطريق . وماذا بعد يا أطياف الأماني الجميلة ؟! وماذا بعد يا خواطري المتوثبة ؟! ملأتها بالسعادة رحلتي فلا تخدعاني في ختامها ، ولا تنضرا بالورد أفق حياتي وهم يزرعون الشوك تحت قدمي .. تيقظي يا مشاعري كما يحلو لك ، واحرسني يا إيماني ، فلا يشغلني عن الحق شيء حتى لحظة اللقاء مع أقداري . مرحي يا قاهرة المعز لدين الله .. مرحبًا بك مع تباشير الصباح .. مع أنفاسه المعطرة بالندي .. أهلاً بشمسك حين تشرق .. فتبدد الضباب .. وتنشر الضياء وتبعث الدفء في الوجود فتغرد الطيور ، وتتفتح الزهور وتدب الحياة وتعود البسمة للشفاه . بالأمس القريب حين أخرجونا منك إلي الواحات كنا نردد .. مرحبًا بالواحات في سبيل الإله ، واليوم ونحن نعود إليك في طريقنا إلي سجن القناطر الخيرية مازلنا نردد .. مرحبًا به وبكل سجن في سبيل الله ... ونضيف ما رددته معنا الصحراء ..
تـيـه أرض الـواحــات تـيـه بـالذكـــريـات
كـل مــــــاض وآت ســوف يروي الثـبـات
جــاء بالمـعـجـــزات صـفـوة العـــاملـين
ربنا .. ربنا آتنا نصرنـا
إن بغـــوا عــزلــتي عن بــني أمــتـــي
جـمـعـت دعــوتــي إنهـم إخـــوتــــي
وحــدت قـــبـلتــي وجــهة المســلمــين
ربنا .. ربنا آتنا نصرنـا
قـم بماضي الســــلاح أرضـنا لـن تبــــاح
أيـن مـاضي الفـــلاح كـــيــف ولّـي وراح
قم لتــأســو الجــراح كــي يــزول الأنـيـن
ربنا .. ربنا آتنا نصرنـا
انتهيت من هذه الحلقة يوم الجمعة 23 جمادي الأولي سنة 1391هـ 16 يوليو سنة 1971م الساعة 11 صباحًا . وختمت الحلقة في أرض المسجد المخصص لصلاة الجمعة فقط . والمسجد به ثلاث شجرات ضخام .. وعدد الذين حضروا للصلاة الآن 9 ، وبجوار السور الشمالي للمسجد يجلس فضيلة المرشد حسن الهضيبي علي كرسي في روبه الأزرق ، وعلي رأسه طاقية بيضاء ، ويتبادل الحديث مع ابنه إسماعيل ن وأنا جالس وظهري للشجرة الوسطى ، وهما أمامي مباشرة بعد عدة أمتار .
الباب السابع في سجن القناطر الخيرية الفصل الأول : • لماذا لم يفرج عن المؤيدين ؟ • عندما لم نستطع التعرف علي أهلنا ..
توارت شمس أول مارس 1961 ، الذي وصل فيه القطار إلي محطة الجيزة فلم تطلع ، وهطلت دموع السماء مدرارة علي عربات السجون المغلقة ، التي نقلتنا من محطة الجيزة إلي سجن القناطر ، وكان لرؤيتنا الأمطار بعد طول حرمان سحره البالغ في النفوس ، حتى لكأن القطرات تنزل علي شغاف قلوبنا .. واستطعنا رغم القضبان والحراس أن نحس بدبيب الحياة في شوارع القاهرة ، أنسانا للحظات سعيدة أي تفكير في العواقب ، حتى وصلنا إلي أبواب سجن القناطر . بعد إجراءات التسليم والتفتيشات والتعليمات اللازمة تم تسكيننا بور (3) بعنبر (1) ، واستقبلنا إخواننا المؤيدين ، الذين يشغلون الدور الثاني بالعنبر بالترحاب ، وزودونا بكل الممنوعات ، وهؤلاء المؤيدون جمعتهم المباحث من مختلف السجون منذ عدة سنوات ، ومع هذا لم يتم الإفراج عنهم حتى ساعة وصولنا ؛ لأنهم فوتوا علي أجهزة الأمن قصدها من تفتيت وحدتهم وتمزيق روابطهم ، وبذر الشكوك بينهم ، عندما أقدموا علي التأييد بطريقة جماعية .. فوقفوا بذلك في منتصف الطريق .. تؤمل فيهم أجهزة الأمن وتخشي في نفس الوقت الإفراج عنهم .. لها فيهم عيون تنظر وآذان تسمع ، ستعتمد عليهم في معرفة كل شيء عنا بعد أن استغلق عليها أمرنا . دور التحف .. الدور الرابع من العنبر يسمي دور التحف ، يضم هياكل بشرية وأصحاب عاهات وأمراض مستعصية ، وأغلبهم تجار مخدرات من المحكوم عليهم بالمدد الطويلة ، ولم يعد لهم صلة بعالم الأحياء في الأعمار والملامح الجامدة والأشكال الغريبة ، ولم تكن تمر عدة ليال إلا ونسمع طرقاتهم علي الأبواب في جوف الليل ومعها صياحهم : يا خفر الليل ، واحد مات .. ولم يكن خفر الليل يكترث للأمر ، لأن فتح الزنزانة ليلاً مسألة طويلة الإجراءات .. كما أنه تعود علي هذا النداء .. أول زيارة من ست سنوات .. أول شيء فكرنا فيه بعد الاستقرار هو تحقيق أهداف أجهزة الأمن في تيقظ مشاعرنا بمعرفة أخبار الأهل عن طريق الزيارات ، ومسموح لكل منا بزيارة سلكية كل شهر ، وبزيارة خاصة واحدة بدون سلك كل عام ، واستجاب أهلي لرغبتي في أن تكون زيارتهم الأولي هي الخاصة ؛ لحرماني من رؤيتهم منذ ست سنوات ، فكيف تكون من وراء الأسلاك ؟ ورثيت للذين بدأت زيارتهم الأولي بالسلك علي غير هواهم .. وجلست في الموعد المحدد في مكتب الضابط أنا وكل من كانت له زيارة مثلي ، وجلس بيننا العساكر ؛ لمراقبة ما يقال وإبلاغه .. وعندما دخل علينا الزوار صدم كل منا بعدم وجود أهله بينهم .. أو هكذا توهمنا لأول وهلة ؛ لتغيير الأشكال والأحوال .. جلست بين خالي وأخوى توفيق وصبحي وأختي وأبنائها كالغريب .. فهذا خالي الشاب قد بلغه الكبر ، تمنعني كلماته القصيرة الحزينة من الاسترسال معه علي سجيتي التي تعودتها معه .. وهذا أخي توفيق تلميذ السنة الأولي الثانوي ، يدخل عليّ اليوم شابًا يافعًا ، يحدثني أحاديث الرجال في قضايا الساعة ، وفي مبررات موقفنا السياسي من الحكومة ، وأجد صعوبة كبيرة في تكييف نفسي في الحديث ، فعهدي به التلميذ الصغير الذي يسمع ويطيع ، لا الذي يجادل في جميع القضايا بين يوم وليلة .. وهذا أخي صبحي الذي تصورته شابًا في السابعة عشر من عمره ، أفاجأ برؤيته في نفس حجمه الذي كان عليه منذ ست سنوات ، بسبب الأزمة الصدرية التي لازمته بعد اعتقالي ، وأثرت علي نموه الطبيعي ، وقد وجدت صعوبة بالغة من نوع جديد في تكلف المرح معه ، ومداراة الألم الذي مزق صدري لرؤيته علي هذا الحال .. وهؤلاء أبناء أختي الرُّضع حين تركتهم ، يقفون اليوم بجواري يافعين ، ينظرون إليّ وأنظر إليهم باندهاش ، فكل منا لم يع وجود الآخر في عالم الأحياء من قبل .. وكان مركز التوازن الوحيد هو أختي التي تصغرني بعام واحد ، وكان طبيعيًا أن تستأثر بمعظم الحديث ، وأن أرتاح نفسيًا لذلك ؛ لأنها هونت عليّ هذه الزيارة الطويلة الثقيلة ، التي خلتها ساعات طويلة ، مع أنها رسميًا نصف ساعة في حضرة الرقيب .. ولم تكد تنتهي حتى تنفست الصعداء .. ودارت رأسي بعديد من الخواطر ، وغلي صدري بمختلف المشاعر .. لو لا اعتصامنا الدائم بحبل الله .. لحققوا غرضهم الخبيث من تيقظ مشاعرنا .. لعبة الإفراج مرة أخري .. في يوليو سنة 1961 أعادوا لعبة الإفراج عنا بنصف المدة ، وأخذوا كشوفًا بأسماء الإخوان ، وسارع السجانة والرقباء بتهنئتنا .. لأنهم لم يكن لهم عهد بهذه الحرب النفسية ، وأحسسنا الاستفادة من هذه اللعبة في تحسين واقعنا ، علي غرار ما فعلناه في سجن المحاريق من قبل .. كانوا قبل كتاب الإفراج عمن قضي نصف مدة العقوبة بمناسبة عيد الثورة قد عدلوا عن فكرة تسكيننا مع عتاة المسجونين العاديين ، أو ذوي العاهات والمرضي منهم ، علي غرار ما فعلوه بإخوان السجون من قبل ، للضغط علينا نفسيًا لتأييد الثورة .. كانوا قد عدلوا عن هذه الفكرة ، بعد أن علموا بعزمنا علي بث الدعوة في صفوفهم ، وأننا قد شمرنا لذلك .. وهكذا صرف الله كيدهم وأخذت الأمور مجراها الطبيعي .. الانفصال واعتقال الوفديين .. في 28 سبتمبر عام 1961 وقع انفصال سوريا ، وقد أربك فيما أربك خططهم المبيتة لنا ، وشغلهم بالاعتقالات جديدة لرؤوس الإخوان في كل محافظة ، ولكل السياسيين القدامى ، والعسكريين المغضوب عليهم ، والإقطاعيين ومن علي شاكلتهم .. وتأهب السجن لاستقبال هؤلاء النزلاء الجدد .. فوضع أكثر من 20 من المعتقلين الجدد من زعماء الإخوان بالدور السادس بعنبر (ب) حتى لا يختلطوا بنا ، ووضع السياسيون القدامى والعسكريون والإقطاعيون فوقنا بالدور الرابع ، تسبب في موت 7 منهم في الطريق كما سمعنا من السجانة . خصصت زنزانة بالدور الأول لفؤاد سراج الدين ، وإبراهيم فرج ، واللواء عاطف نصار من زعماء الوفد ، لمعاملتهم كمسجونين سبق الإفراج عنهم بعفو صحي ، ولكنهم رفضوا خلع الملابس المدنية ، وأصروا علي أن يعاملوا كمعتقلين ، ولكن الضابط إبراهيم مصطفي وكيل السجن تلطف معهم ، حتى أقنعهم بتنفيذ التعليمات بعد أن وعدهم بمعاملة المعتقلين ، التي تتميز عن معاملة نزلاء السجن ؛ حيث يقوم المتعهد بتوريد الغذاء لهم من الخارج .. لم يكد باب الزنزانة يغلق عليهم حتى أصيب اللواء عاطف بشلل نصفي من هول الصدمة .. فوجئ ثلاثتهم بأكواب شاي تقدم لهم من شراعة الزنزانة في الظلام علي يد خفر الليل وهو يقول لهم : هذه تحية الإخوان بدور (3) إليكم ، ويطمئنوكم بتدبير كل أموركم في الصباح ... الوفد .. سنتبنى الاشتراكية الإسلامية .. وقمنا بالفعل بتوفير الممنوعات لهم وللمعتقلين ، وبتدبير اتصالاتهم بأسرهم من وراء ظهر إدارة السجن ، وخصصنا أخوين لمراقبة اللواء عاطف نصار بالمستشفي ولعمل العلاج الطبيعي له ، وبعد أيام قامت إدارة السجن بتحويل فؤاد سراج الدين وإبراهيم فرج إلي المستشفي أيضًا ، فأتاح لنا ذلك عمل ندوات محدودة معهم ، تناولنا فيها ما كان يدور في اللجنة التحضيرية لإعداد الميثاق ، وما جاء ببيان عبد الناصر بعد الانفصال واعدًا بالحياة النيابية السليمة القائمة علي الانتخاب الحر المباشر .. واستمعنا فيها إلي الكثير من أسرار الحياة السياسية في مصر قبل الثورة ، أجاب فيها سراج الدين علي سؤال الأخ السوداني فرج جبارة عن برنامج حزب الوفد الجديد ، لو شاءت المقادير عودته إلي الحياة السياسية مرة أخري ، بعد أن انتهت قضية الجلاء ووحدة وادي النيل التي كانت محور نشاط الأحزاب القديمة ، فضحك سراج الدين قائلاً
- لاشك ستكون الأولوية للقضية الاجتماعية .. وتبني الاشتراكية الإسلامية .. ولم تمر كلمة الاشتراكية دون تعليق مناسب عليها .. الإسلام الدفين ..
اكتشفنا في المعتقلين عامة ، وفي عائلة سراج الدين خاصة ، وبعض الشخصيات أن بذواتهم الإنسان المسلم الدفين في أعماق أنفسهم ، والذي كانت تحجبه مظاهر الحياة من مال أو سلطان ، والذي لم تفلح الثورة في اكتشافه وتحريكه ، وإلا لأعطوها طائعين أضعاف ما أخذته بالسكين ، وعندما تفتحت فطرة الكثير منهم علي كنوز الإيمان بدأنا نشاهد العجب في سلوكهم .. فهذا شعراوي باشا منقطع لتلاوة القرآن بالليل والنهار .. ولا يؤلمه شيء إلا أخذ أمواله جبرًا عنه ، ولو أعطاها طائعًا مقتنعًا بسمو أهداف المسؤولين لاستراح هكذا كان دائمًا يردّد . وهذا عبد اللطيف المردنللي يصر علي صيام الأشهر الثلاثة بما فيها رمضان رغم نهي الإخوان له ، معبرًا عن شكره علي نعمة الإيمان الذي جب ما صادرته الثورة من ملايين .. وقد لقي الله بعد ذلك بسنوات في معتقل طره صائمًا ... وهذا فؤاد سراج الدين يستجيب لنصيحة صديقه محمد السعيد المهدي المجاور له بالمستشفي ، فيُقبل علي الصلاة بعد أن ذلل له الأخ محمد كل الأعذار ، فصار يصلي قاعدًا .. وكان لدماثته يقف مسلمًا علي أي أخ في الوقت الذي لا يقوم من مكانه لقائد السجن . زملاء عبد الناصر .. كان من بين المعتقلين أبو الفضل الجيزاوي أحد الضباط الأحرار الذين شاركوا عبد الناصر في قيام الثورة ، دفع ثمن مطالبته بالإفراج عن المسجونين السياسيين بمجلس الأمة ، ويومها رد عليه زكريا محيي الدين قائلاً : ليس لدينا إلا مساجين عاديين .. وقد بكي الرجل وهو يرجونا أن نقدم علي خطوة التأييد ، لننجو من قبضة الشياطين الذين يدبرون لنا أسوأ مصير ، فشكرنا عاطفته وأحببناه ، وأكدنا له أن ثقتنا في الله تحمينا من أي سوء ، ومازالت تتوالي في كل يوم . وعندما وقف خالد محمد خالد مدافعًا عن الحريات في اللجنة التحضيرية للميثاق شعرنا بالاعتزاز بأن في مصر رجالاً لم تتزلزل ، وشاركنا أبو الفضل تقديره ، وزاد علي ذلك بقصة عنه لا يعلمها غيره .. سأقصها عليكم للتاريخ لأنكم أصحابها .. هكذا قال لنا أبو الفضل : اشترينا الأقلام لمهاجمتكم .. وقال : كنت يومها مسؤولا عن التوجيه المعنوي للجيش ، حيث قامت الثورة بضرب الإخوان عام 1954 .. اشترينا كل الأقلام وسخّرناها للهجوم عليكم ، وخاصة فتاوى العلماء ومن لهم وزن في الحفل الإسلامي ، ولم يعد أمامنا سوى قلم خالد محمد خالد الذي سيفوق وزنه كل ما سبق من الأقلام .. ومعي مجموعة من ضباط الجيش قصدنا منزله ، وعرضنا الأمر عليه قائلين : أعطنا مسودة هجومك علي الإخوان ، وقدر بنفسك ما تشاء من ثمن ، ونحن سنطبع منها ما تشاء من أعداد .. ولوَّحنا له في حالة الرفض بالمصير ، فلم يهتز له طرف ، وأجابنا في هدوء : موقف لخالد محمد خالد ..
- لقد جاء عرضكم السخي في وقت أحتاج فيه للجنيه الواحد لدفع إيجار شقتي الذي تأخرت في دفعه شهرين لأول مرة لخلو يدي ، ومع هذا يمنعني من الاستجابة لطلبكم ثلاثة موانع : - الأول : أن الكاتب الحر تنبع فكرة الكتابة من نفسه ، ولا تفرض عليه . - الثاني : أنه ليس من المروءة أن أجهز علي الإخوان وهم في محنتهم ، عاجزين عن الرد عن أنفسهم .. حتى لو كان لي رأي خاص فيهم . - الثالث : أن سكوتكم أنت علي ما يُفعل بالإخوان من أساليب ديكتاتورية سيجعل عبد الناصر يستمريء هذا الأسلوب مع البلد كلها بعد ذلك ، وستكونون أنت من أول الضحايا . الفصل الثاني :
المباحث العامة تهددنا بتهمة الدعارة والمخدرات .. ومن هنا بدأت فكرة التكفير فحمل عليها سيد قطب .. وأذل خروشوف مصر وأخذ ما يريد .. مرَّت عدة مناسبات وأعياد ثورية ، لم يتجاوب المؤيدون معها بالتأييد كما كانت تتوقع المباحث ، فعزت ذلك إلي تأثيرنا فيهم وتشجعهم بقربنا ، فضلاً عما قام بيننا من صلات طبيعية أطارت صواب أجهزة الأمن ، التي كانت تتوقع اشتداد الصراع ، ولم تجد في النهاية بدًا من صب غضبها علي أكثر من خمسين أخًا من المؤيدين ، نقلتهم في 10 أغسطس سنة 1962 إلي دور (3) مع المعارضين .. ولم يحرك ذلك ساكنًا في الإخوان ، بل جاء النقل علي هواهم .
• علي رأس كل ستة أشهر كنا نقوم بانتخاب خمسة من المسؤولين ، أكثر أصواتًا هو المسؤول العام ، يعاونه مسؤول عن الثقافة ، وآخر عن المالية ، وآخر عن الشؤون الإدارية . • أقيمت جلسات توعية لنا علي خشبة المسرح ، بحضور أحد الوعاظ وأحد ضباط الإدارة .. فكرنا في بادئ الأمر في مقاطعتها ، ثم عدلنا عندما فضلنا تبديد وقتها في مواضيع شتى دون تصعيد الموقف ، فعندما أفاض المحاضر في شرح قانون الاتحاد الاشتراكي الذي خلف الاتحاد القومي بعد الانفصال ، طلبنا منه توضيح الحدود الفاصلة بين المؤسسة الجماهيرية والوحدة الأساسية ، فلم يستطع القيام بعملية التحديد ، واشترك معه الضابط دون جدوى ، وكلما وصلوا إلي تحديد أثبتنا لهم انطباقه علي الصورة الأخرى ، وهكذا كنا نضيّع عليهم الأوقات .
زائر جديد .. ومقابلة .. زار السجن لأول مرة مسؤول كبير من المباحث العامة هو الغمراوي ، وقابله كل من تبقي من المؤيدين بدور (2) بعد نقل المغضوب عليهم بما فيه الكفاية ، ولم نعر حضوره اهتمامًا ، وأراد أن يتحايل لمقابلتنا فبعث إلينا بمأمور السجن ليقول :
- أنه ليس لديه مانع من مقابلتنا إن رغبنا في ذلك . وتدبرنا أمرنا في اجتماع عالم للرد علي هذا الطلب المقنع الموجه إلينا لأول مرة علي رأس ثمانية أعوام من السجن ، ووجدنا من الحكمة عدم الرفض ، ومن الحكمة عدم إرسال وفد عنا ، حتى لا ينفوهم بعد ذلك إلي سجن التغريب ، ظنًا منهم أنهم المسؤولون عنا ، لأنهم فشلوا من قبل في معرفتهم فكان جوابنا للمأمور : - قل له : الجميع علي استعداد لمقابلتك .. ونزلنا بعد موافقته صفًا طويلاً في أحسن مظهر بعد أن تواصينا بعدم الشكوى من أي شيء ، أو طلب أي شيء .. وخصصنا أخوين فقط للكلام معه بطريقة تبدو عفوية .. ولما أصر الأخ رزق المرغني السوداني علي الكلام أيضًا سمحنا له بذلك ، ولما يئس الغمراوي بكل الحيل في إقناع الإخوان بالتأييد ، متلطفًا تارة ، مبديًا لعواطفه نحونا تارة ، أو متذرعًا برؤسائه الغشومين تارة أخري ، لجأ في النهاية عندما ضعفت حجته إلي سلاح التهديد قائلاً : تهديد ..
لن تخرجوا بعد قضاء مدة الحكم أبطالاً معارضين للنظام ، وإننا نعد لكم من الآن أحد أمرين ك إما تحويلكم بعد انتهاء مدة الحكم إلي معتقل مفتوح إلي الأبد ، وإما الإفراج عنكم لعدة أشهر تمهيدًا إعادة القبض عليكم في قضايا دعارة ومخدرات ، حتى لا تحظوا بشرف لافتة الإسلام مرة أخري .. وكانت الخلاصة إجابة الإخوة :
- لا تتألهوا علي الله .. فأنتم لا تملكون لأنفسكم ولا لنا ضراً ولا نفعًا ، فالأرزاق والآجال بيد الله .. وبيدكم إنهاء هذه المشكلة في ساعة واحدة بالإفراج عن الجميع ، ولم نر نظامًا يجعل من إذلال المواطنين ومسخهم هدفًا من أهدافه الكبرى كمثل أنظمتكم التي تتكلم عن الحرية وسيادة القانون والتقدمية وعدم الاستغلال ... منطق الإيمان .. لا يجدي ..
لن نكلمك بمنطق الإيمان وما وعد به الله المؤمنين من نصر وتأيد .. لأنكم لا تفهمونه ، ولكن بمنطق الحساب والأرقام نحن أطول أعمارًا منكم ، فكلنا بعد ثماني سنوات من السجن لم نزل في العقد الثالث من أعمارنا ، ولو صبرنا علي كل ما في جعبتكم فستحين آجالكم الطبيعية قبلنا ، وتكون الأرض لله يورثها من يشاء من عباده . بإمكانكم أمر آخر هو أن تبيدونا جميعًا وتستريحوا ، فنذهب إلي الله شهداء ، وتواجهوا مصيركم بعد إشاعة الرعب والإرهاب في كل البلاد .. الحل بسيط وفي أيديكم لو فهمتم طبيعة هذا النوع من الرجال ، فها هي أيادينا النظيفة نمدها إليكم . وزاد الأخ رزق الميرغني علي ذلك قوله :
- إنني ومن معي من الإخوة السودانيين نفترق خيانة في حق وطننا ، إذا عدنا إليه بولاء لغير حكوماتنا ، فكيف يغيب عنكم ذلك برغم رجاءات سفارة السودان المتكررة في كل العهود .. أبعدونا إلي وطننا .. هذا هو المنطق في كل الدنيا .. مقابلة غير سيئة .. • وعاد الغمراوي كما جاء ، ليكتب تقريره عن المقابلة الغير السعيدة طبعًا .. • بعد أن هدأت الأحداث واطمأن عبد الناصر إلي عدم حدوث انقلاب في مصر عقب الانفصال .. قاموا علي رأس عدة أشهر من بدء الاعتقال بتصفية السجن من جميع فئات المعتقلين .
ثم ظهرت ثمرات زيارة الغمراوي ، حيث وصلت التعليمات بعزلنا بدور ثمانية بعنبر (ب) في 10 أغسطس سنة 1963 ، بعيدًا عن المؤيدين الذين ظلوا بالدور الثاني بعنبر ( أ ) .. بداية التكفير .. لم يستطع فريق من الشباب أن يروا صلة تربط بين ظلمة قلوب هذه الوحوش الضارية وبين صحة انتسابها للإسلام في إنسانيته المشرقة بالنور ، فجرت من بعضهم أحكام تلصق الكفر بهؤلاء الظلمة من الحكام هم والمشاركين والساكتين عن الحق من مجموع هذه الأمة .. وأخذوا يسيئون فهم ما ورد في كتب الشهيد سيد قطب لتدعيم موقفهم ، وحملنا الأخ إبراهيم الطناني المرحل إلي سجن طره للعلاج رسائل للأستاذ سيد بتفاصيل تفكير وسلوك هؤلاء الإخوة ، فأرسل منكراً عليهم ذلك قائلاً : إنهم قد فهموني خطأ . وفي مرة ثانية قال غاضبًا : لقد وضعت حملي علي حصان أعرج .. وكنا نحمل لهم العذر في نفوسنا ، معتبرين ما أصابهم مجرد أزمة نفسية من طول المعاملة القاسية .. وقد فيض الله فضيلة المرشد العام حسن الهضيبي لعلاج قضيتهم الغريبة فيما بعد . آيات .. وآيات .. في إحدى الزيارات السلكية فوجئت برؤية أخي صبحي وقد استرد صحته واستطال .. ثم حمدت الله حين علمت أن الله فيض له من أعطاه نوعًا خاصًا من الحقن لتنشيط هرمونات النمو .. لم تكن آية الله في ذلك فحسب بل في التوقيت أيضًا ؛ لأن توقيع الكشف الطبي علي صبحي في حالته الصحية الأولي أفاد في إعفاء أخي توفيق من الجيش ، باعتباره العائل الوحيد لأخيه صبحي بعد أن كان ضمن الفرج المسافر إلي الحرب باليمن . ونفعه الإعفاء أيضًا في إكمال دراسته الجامعية بعد ذلك .. وحياة صبحي الطبيعية بعد هذا اليوم وزواجه وإنجابه وعمله بأحد المصانع آية أخري زادتنا إيمانا .. ولاء النظام لروسيا .. انتهت مرحلة الغزل العفيف بين مصر وروسيا إلي تحديد موعد للقاء في موقع السد العالي في 15 مايو ( آيار ) سنة 1964 ، حيث يقوم خروشوف بافتتاح مرحلة جديدة من العمل في السد ؛ تأكيدًَا لصداقة التعيين ، ولكن خروشوف تمنع في اللحظة الأخيرة ، واحتج بحرج موقفه أمام الحزب ؛ لاستمرار وجود الشيوعيين في المعتقلات حتى اليوم .. ثم أشفع الكلام بتوقيف إرسال معدات العمل بالسد لهذا السبب ، ولم يجد عبد الناصر بدًا في النهاية من الاستجابة السريعة ، وتمت الإفراجات الفورية في أوائل مايو ، من العام نفسه عن جميع الشيوعيين فى جميع المعتقلات ؛ ليشاركوا في تنظيم الاحتفالات للضيف الكبير ، وأحسَّ الشيوعيون بضعف موقف مصر ، فكانوا يرفضون الخروج من بعض السجون علي دفعات صغيرة ، ويصرون علي الخروج في موكب يردّد الهتافات في وضح النهار .. وطأطأت مصر رأسها للعاصفة ، ووصل خروشوف ، ووجد أن الكرم العربي لم يقف عند حدود الإفراج بالعفو الشامل والتعويضات ، بل تعداه إلي وضع جميع أجهزة الإعلام في أيديهم بجهود علي صبري المخلصة .. المهانة ... والمارد .. أحس كل من بالسجن من ضباط وسجانة ونزلاء بمهانة مصر أمام الشيوعيين ، وتحركت العاطفة الإسلامية في نفوسهم ، ولم يهضموا معايير العدل التقدمية ، فأرخوا لنا العنان في كل شيء ، وأخذوا يتغاضون عن تعليمات المباحث ، بل شعرنا لأول مرة أن هذا المارد الإسلامي قد تحرك في نفوس رجال المباحث أيضًا ، ولم يرقهم هذه التفرقة الجائرة في المعاملة ، بل هذا الميل والهوى المكشوف في حق الشيوعيين وحدهم .. ولأول مرة نشعر بالحب لأبناء مصر الحقيقيين من جميع الفئات بما فيهم رجال المباحث ، ونشعر أن طلاء العداوة والصراع بين فئات الشعب مفروض علي الجميع علي غير حقيقة ما في أنفسهم .. موقف .. وموقف .. يومها تذكرت عسكري السجن الحربي الذي ضُبط وهو يبكي ، فجلد وفصل ، وتذكرت عسكريًا آخر كان يضرب بالسوط علي الأرض ويطلب من الأخ أن يجأر بالصراخ للتمويه .. وأتذكر اليوم ما طلبه أحد ضباط سجن القناطر منا بأن نُخرج ما نشاء من ممنوعات وأوراق خاصة في يوم إشرافه علي زيارات السجن ، وطمأننا من جانب المباحث المشرفة علي الزيارة والتي تقوم بتفتيش كل من يخرج أو يدخل السجن .. يومها تشجعت وأخرجت البحث الخاص بالشيوعية مع زيارة الأخ جلال عبد العزيز القادمة من كفر الشيخ ، وتخففت من عبء ثقيل عانيت الشيء الكثير في تهريبه .. إفراج .. واستعداد للعودة .. كانت هذه الروح العامة التي بثها الله في كل النفوس وراء مفاجأة المناداة علي كشف بأسماء عدد من الإخوان للإفراج عنهم .. كنا قبله نترقب شهر أغسطس سنة 1964 ؛ حيث يكمل أول واحد منا هو الأخ سيد عيد مدة العشر سنوات المحكوم بها عليه ؛ ليكون ترمومتر سياستهم نحونا ، فجاء الكشف الأول قبل هذا التاريخ ، وكنت ضمن الدفعة الثانية التي أفرج عنها في 14 نوفمبر .. يومها تلقينا النبأ بفرح وتحفظ .. الفرح ثقة في جنب الله .. والتحفظ تحسبًا للمفاجأة .. خشية أن يكون وراءه لعبة نفسية علي الأبواب ، حتى إن بعضنا اقترح ألا نرسل في طلب ملابسنا المدنية ونظل بحلل السجن استعدادًا للعودة إن اقتضي الموقف ذلك .. والبعض زين لبسه ولو من باب التجديد ، ولن تغير من نفوسنا شيئًا طالما نعمل حسابًا للتوقعات .. شكر بعد عدة سنوات .. وجاءت العربات التي نقلتنا بليل من سجن القناطر إلي مبني المباحث العامة .. حيث عوملنا باحترام ، ولم نطالب بشيء ، بل وعدنا بتذليل كل العقبات أمام عودتنا إلي أعمالنا . ومعاهدنا ، وأبدوا تفهمًُا لطبيعة العلاقة فيما بيننا طالما كانت بعيدة عن أي تنظيم مسلح ، ولم نغادر أنا والأخ رفعت القويسني المبني قبل أن نبحث عن ضابط دمث الأخلاق ، اشترك في القبض علينا قبل عشر سنوات ، لنعتذر له عن عدم قدرتنا علي شكره طوال هذه الأعوام ، فكانت مفاجأة للمقدم عصمت الرخاوي الذي كان يوم القبض علينا نقيبًا .. وأصر علي توديعنا بنفسه ، مؤكداً علينا اعتباره أخًا أكبر لنا ، قائلاً لنا :
- اعذرونا فقد كانت التعليمات شديدة .. ولننسي الماضي ونبدأ صفحة بيضاء .. فقلنا له : - التعليمات هي التعليمات في كل وقت وفرق كبير بين من يتطوع بالشر ومن يتصرف في تنفيذها وقلبه مطمئن بالإيمان .. للثاني علينا حق الوفاء دائمًا .. ومن الممكن للأول حق العفو .. وفرق كبير بين العفو والوفاء . - بأي لسان نشكر الله ، وبأي قلب نذكره حين صافحتنا الحياة لأول مرة منذ عشر سنوات بلا قيد ولا سجان . ما أكثر النعم التي يرفل فيها الناس وهم لا يشعرون .. هل لابد من سلبها بعض الوقت من الناس حتى يشعروا بها وتلهج ألسنتهم بذكر المنعم ؟ عجيب أمر الغفلة التي يعيشها البشر ..
استقبال حافل .. تعمدنا أنا والأخ رفعت الإبراق إلي أهلنا بالقرية قبل وصولنا بيومين ؛ ليكونوا في استقبالنا في اليوم المحدد لوصولنا بكل ما يمكنهم من مظاهر الفرح ؛ رداً علي عبارة عبد الناصر في إحدى خطبه بأن الإخوان قلة نبذهم الشعب .. وقد كانت القرية عند حسن ظننا في فهمها لحقائق الأمور حتى أن أعضاء الاتحاد الاشتراكي بها كانوا من السابقين إلينا .. ولم يتحقق قصد الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل .. العودة إلي العمل .. عشت تسعة أشهر مليئة الحركة حميمة المشاعر ، تسلمت فيها عملي كمفتش تحقيقات بالتربية والتعليم ، وزرت فيها مراتع الصبا وأصدقاء الشباب ، وعاينت التغييرات الكبيرة التي أصابت القرية ، والتي أصابت حينَّا ببنها ، وصلني فيها خطاب من صديقي الوفي عبد الحق من السعودية للسفر إلي باكستان مع السردار عبد القيوم خان ، الذي سلمني الخطاب وكانت التغييرات في الأشكال والنفوس أغرب وأعجب ، وشعرت بغربة نفسية شديدة في بادئ الأمر عن هذه الحياة ، وكأنني قد هبط من كوكب في الفضاء ، يحتاج في كل خطوة لدليل ، وهي تجربة جديدة تحتاج إلي تسجيل دقيق ..
الباب الثامن أخطر وثيقة الفصل الأول : • تفاصيل المخطط الناصري للقضاء علي الإخوان :
وجاء الشر الذي كنا نتوقعه ، وصدرت إشارة البدء في موسكو ، في أغسطس 1965 في مؤتمر الطلبة العرب حيث خطب عبد الناصر وقال : إنهم اكتشفوا مؤامرة جديدة للإخوان المسلمين تعمل في خدمة الاستعمار ومخططاته ، وأن الإخوان المسلمين استغلوا العفو عنهم وفتح مجال العمل أمامهم بعد ذلك كي يتآمروا من جديد بأموال أرسلها لهم سعيد رمضان بعد أن حصل عليها من مصادر أجنبية .. وأنه لا يمكنه أن يقابل ذلك باللين ، لأنه عفا عنهم مرة ولن يستطيع أن يعفو مرة أخري ... العودة إلي المعتقل : في 4-9-1965 دخل ضباط مباحث بنها مكتبي بمديرية التعليم ، فوجدوني مستعدًا ، وتركت زملائي بعد توديعهم من المفاجأة ذاهلين .. رحلت مع المقبوض عليهم إلي رئاسة مباحث القليوبية بشبرا الخيمة .. ولما وجدت التحقيق يبدأ بتكسير الساعات والنظارات .. طابت نفسي بالتبرع بساعتي لأحد المفرج عنهم دون سابق تعارف بيننا .. وإن كان بدوره قد أداها لخالي عند لقائه بعد ثلاث سنوات من هذا اليوم .. لم نلبث أن تُقلنا إلي غرفة الحجز بأحد زملاء سجن القناطر من المسجونين العاديين ، كان يؤدي أيام المصاريف ، أرسلت معه خطابًا لخالي وآخر لزميلي في العمل حسان دويدار قلت فيه : إنني أشعر بكامل الاطمئنان إلي جنب الله ، وأنا في طريقي إلي العالم المجهول ؛ لأنه ما فقد شيئًا من وجد الله ، وما وجد شيئًا من فقد الله . وعندما طالعتنا عناوين الصباح بتفاصيل التنظيم الجديد لشباب من جيل الثورة أخذنا العجب ، وطرت طربًا بروحهم العالية ، ومستوياتهم المتفوقة في كل ميدان .. وغطت سعادتنا بهذه الأخبار علي كل خطر متوقع ؛ لأنها شفت صدور قوم مؤمنين ، وأرتنا عظيم قدرة الله في اصطناع الأسباب لانتشار دعوته علي يد من يكيدون لها ، فازددنا إيمانًا بأن دعوة الله لن يحدها طغيان .. وأنها بالغة في غاياتها ما يبلغ الليل والنهار . وأخيراً تم نقلنا إلي معتقل
أبي زعبل ولما لم يجدوا به مكانًا لنا تحولت العربات إلي معتقل طره ، وهكذا دخلنا معركة من جديد مع الباطل .. بكل رصيدنا من الإيمان وبكل فقرنا إلي الله وأملنا فيه وثقتنا في جميل وعده ..
لجنة وتخطيط شيطاني ..
وهم بدورهم دخلوها بكل خيلهم وخيلائهم ، وبتخطيط إجرامي يعجز عن التفكير فيه الشيطان نفسه ، كشفت عنه قدرة الله التي لا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء ، تضمنته هذه الوثيقة التي وردت في الحكم الصادر من محكمة جنوب القاهرة الدائرة التاسعة المدنية يوم 30 مارس سنة 1975م – 17 ربيع الأول 1395هـ ، وهو الحكم الذي |أصدره الأستاذ محمود عبد الحافظ هريدي بالاشتراك مع المستشار محمود منصور وأحمد السعيد عابد .. وهذا نصها :
" بناء علي أمر السيد رئيس الجمهورية بتشكيل لجنة عليا لدراسة واستعراض الوسائل التي تم الوصول إليها بخصوص مكافحة جماعة الإخوان المسلمين المنحلة ، ولوضع برنامج لأفضل الطرق التي يجب استعمالها في قسمي مكافحة الإخوان بالمخابرات والمباحث العامة لبلوغ هدفين :
1 – غسل مخ الإخوان من أفكارهم .
2 – منع عدوي أفكارهم من الانتقال لغيرهم .
اجتمعت اللجنة المشكلة من :
1 – سيادة رئيس مجلس الوزراء .
2 – السيد – قائد – المخابرات .
3 – السيد – قائد المباحث الجنائية العسكرية .
4 – السيد – مدير المباحث العامة .
5 – السيد – مدير مكتب السيد المشير .
وذلك كله في مبني المخابرات العامة بكوبري القبة .. وعقدت عشرة اجتماعات متتالية ، وبعد دراسة كل التقارير والبيانات والإحصائيات السابقة أمكن تلخيص المعلومات المجتمعة في الآتي :
- تبين أن تدريس التاريخ الإسلامي في المدارس للنشء بحالته القديمة يربط السياسة بالدين في لا شعور كثير من التلاميذ منذ الصغر ، ويسهل تتابع ظهور معتنقي الأفكار الإخوانية . - صعوبة واستحالة التمييز بين أصحاب الميول والنزعات الدينية وبين معتنقي الأفكار الإخوانية ، وسهولة فجائية الفئة الأولي إلي الثانية بتطرف أكبر . - غالبية أفراد الإخوان عاش علي وهم الطهارة ، ولم يمارس الحياة الاجتماعية الحديثة ويمكن اعتبارهم من هذه الناحية " خام " . - غالبيتهم ذو طاقة فكرية ، وقدرة تحمل ، ومثابرة كبيرة علي العمل ، وقد أدي ذلك إلي اضطراد دائم وملموس في تفوقهم في المجالات العلمية والعملية التي يعيشون فيها ، وفي مستواهم العلمي والفكري والاجتماعي بالنسبة لأندادهم ، رغم أن جزءاً غير بسيط من وقتهم موجه لنشاطهم الخاص بدعوتهم المشؤومة . - هناك انعكاسات إيجابية سريعة تظهر علي تحرك كل منهم للعمل في المحيط الذي يقتنع به . - تداخلهم في بعض ودوام اتصالهم الفردي ببعض ، وتزاورهم والتعارف بين بعضهم البعض يؤدي إلي ثقة كل منهم في الآخر ثقة كبيرة - هناك توافق روحي وتقارب فكري وسلوكي يجمع بينهم في كل مكان ، حتى ولو لم تكن هناك صلة بينهم . - رغم كل المحاولات التي بذلت منذ سنة 1936 لإفهام العامة والخاصة بأنهم يتسترون خلف الدين لبلوغ أهداف سياسية إلا أن احتكاكهم الفردي بالشعب يؤدي إلي محو هذه الفكرة عنهم ، رغم أنها بقيت بالنسبة لبعض زعمائهم . - تزعمهم حروب العصابات في فلسطين سنة 1948 ، والقتال في 1951 رسب في أفكار الناس وصورهم كأصحاب بطولات وطنية عملية وليست دعائية فقط ، بجوار أن الأطماع الإسرائيلية والاستعمارية والشيوعية في المنطقة لا تخفي أغراضها في القضاء عليهم . - نفورهم من كل من يعادي فكرتهم جعلهم لا يرتبطون بأي سياسة خارجية سواء عربية أو شيوعية أو استعمارية ، وهذا يوحي لمن ينظر لماضيهم بأنهم ليسوا عملاء .
وبناء علي ذلك رأت اللجنة أن الأسلوب الجديد في المكافحة يجب أن يشمل أساسًا بندين متداخلين وهما :
- محو فكرة ارتباط السياسة بالدين الإسلامي . - إبادة تدريجية بطيئة مادية ومعنوية وفكرية للجيل القائم فعلاً والموجود من معتنقي الفكرة .. ويمكن تلخيص أسس الأسلوب الذي يجب استخدامه لبلوغ هذين الهدفين في الآتي :
أولاً : سياسة وقائية عامة :
- تعبير مناهج تدريس التاريخ الإسلامي والدين في المدارس ، وربطهما بالمعتقدات الاشتراكية ، كأوضاع اجتماعية واقتصادية ، وليست سياسية ، وإبراز مفاسد الخلافة وخاصة زمن العثمانيين ، وتقدم الغرب السريع عقب هزيمة الكنيسة وإقصائها عن السياسة . - التحري الدقيق عن رسائل وكتب ونشرات ومقالات الإخوان في كل مكان ثم مصادرتها وإعدامها . - يحرم بتاتًا قبول ذوي الإخوان وأقربائهم حتى الدرجة الثالثة من القرابة من الانخراط في السلك العسكري أو البوليس أو السلك السياسي ، مع سرعة عزل الموجودين من هؤلاء الأقرباء من هذه الأماكن أو نقلهم إلي أماكن أخري في حالة ثبوت ولائهم . - مضاعفة الجهود المبذولة في سياسة العمل الدائم علي فقدان الثقة بينهم ، وتحطيم وحدتهم بشتى الوسائل ، وخاصة عن طريق إكراه البعض علي كتابة تقارير عن زملائهم بخطهم ، ثم مواجهة الآخرين بها ، مع العمل علي منع كل من الطرفين من لقاء الآخر أطول فترة ممكنة لتزيد شقة انعدام الثقة بينهم . - بعد دراسة عميقة لموضوع المتدينين من غير الإخوان وهم الذين يمثلون الاحتياطي لهم ، وجد أن هناك حتمية طبيعية لالتقاء الصنفين في المدى الطويل ، ووجد أن الأفضل أن يبدأ بتوحيد معاملتهم بمعاملة الإخوان قبل أن يفاجئونا كالعادة باتحادهم معهم علينا .
ومع افتراض احتمال كبير لوجود أبرياء كثيرين منهم إلا أن التضحية بهم خير من التضحية بالثورة في يوم ما علي أيديهم ، ولصعوبة استحالة التمييز بين الإخوان المتدينين بوجه عام فلابد من وضع الجميع ضمن فئة واحدة ومراعاة ما يلي معهم : أ – تضييق فرص الظهور والعمل أمام المتدينين عمومًا في المجالات العلمية والعملية . ب – محاسبتهم بشدة وباستمرار علي أي لقاء فردي أو زيارات أو اجتماعات بينهم . ج – عزل المتدينين عمومًا عن أي تنظيم أو اتحاد شعبي أو حكومي أو اجتماعي أو طلابي أو عمالي أو إعلامي . د – التوقف عن السياسة السابقة في السماح لأي متدين بالسفر للخارج للدراسة أو العمل ؛ حيث فشلت هذه السياسة في تطوير معتقداتهم وسلوكهم ، وعدد بسيط جدًا منهم هو الذي تجاوب مع الحياة الأوروبية في البلاد التي سافروا إليها ، أما غالبيتهم فإن من هبط منهم في مكان بدأ ينظم فيه الاتصالات والصلوات الجماعية أو المحاضرات لنشر أفكارهم . هـ - التوقف عن سياسة استعمال المتدينين في حرب الشيوعيين ، واستعمال الشيوعيين في حربهم بغرض القضاء علي الفئتين ؛ حيث ثبت تفوق المتدينين في هذا المجال ، ولذلك يجب أن تعطي الفرصة للشيوعيين لحربهم وحرب أفكارهم ومعتقداتهم مع حرمان المتدينين من الأماكن الإعلامية . و – تشويش الفكرة الموجودة عن الإخوان في حرب فلسطين والقنال ، وتكرار النشر بالتلميح والتصريح عن اتصال الانجليز بالهضيبي وقيادة الإخوان ، حتى يمكن غرس فكرة أنهم عملاء للاستعمار في ذهن الجميع . ز – الاستمرار في سياسة محاولة الإيقاع بين الإخوان المقيمين في الخارج وبين الحكومات العربية المختلفة ، وخاصة في الدول الرجعية الإسلامية المرتبطة بالغرب ، وذلك بأن يروج عنهم في تلك الدول أنهم عناصر مخربة ومعادية لهم ، وبأنهم يضرون بمصالحها ، وبهذا تسهل محاصرتهم في الخارج . ثانياً : سياسة استئصال " السرطان " الموجود الآن : بالنسبة للإخوان الذين اعتقلوا أو سجنوا في أي عهد من العهود يعتبرون جميعًا قد تمكنت منهم الفكرة ، كما يتمكن السرطان من الجسم ولا يرجي شفاؤه ، ولذا تجري عملية استئصالهم كالآتي : المرحلة الأولي : إدخالهم في سلسلة متصلة متداخلة من المتاعب ، تبدأ بالاستيلاء أو وضع الحراسة علي أموالهم وممتلكاتهم ، ويتبع ذلك اعتقالهم ، وأثناء الاعتقال يستعمل معهم أشد أنواع الإهانة والعنف والتعذيب علي مستوى فردي ودوري حتى يصيب الدور الجميع ثم يعاد ، وهكذا وفي نفس الوقت لا يتوقف التكدير علي المستوي الجماعي ، بل يكون ملازمًا للتأديب الفردي .. هذه المرحلة إن نفذت بدقة ستؤدي إلي ما يأتي : بالنسبة للمعتقلين : اهتزاز المثل والأفكار في عقولهم ، وانتشار الاضطرابات العصبية والنفسية والعاهات والأمراض فيهم .. بالنسبة لنسائهم : سواء كن زوجات أو أخوات أو بنات فسوف يتحررن ويتمردن بغياب عائلهن .. وحاجتهن المادية قد تؤدي إلي انزلاقهن .. بالنسبة للأولاد : تضطر العائلات لغياب العائل وحاجتهم المادية إلي توقيف الأبناء عن الدراسة وتوجههم للحرف والمهن ، وبذلك يخلو جيل الموجهين المتعلم القادم ممن في نفوسهم حقد أو ثأر أو آثار من أفكار آبائهم .. المرحلة الثانية : إعدام كل من ينظر بينهم كداعية ، ومن تظهر عليه الصلابة سواء داخل السجون والمعتقلات أو بالمحاكمات .. ثم الإفراج عن الباقي علي دفعات مع عمل الدعاية اللازمة لانتشار أنباء العفو عنهم ، حتى يكون ذلك سلاحًا يمكن استعماله ضدهم من جديد في حالة الرغبة في العودة إلي اعتقالهم ، بحيث يتهمون بأي تدبير ، ويوصفون حينذاك بالجحود المتكرر لفضل العفو عنهم . وهذه المرحلة إن أحسن تنفيذها باشتراكها مع المرحلة السابقة ستكون النتائج كما يلي :
- يخرج المعفو عنه إلي الحياة فإن كان طالبًا فقد تأخر عن أقرانه ، ويمكن أن يفصل من دراسته ويحرم من متابعة تعليمه .
إن كان موظفًا أو عاملاً فقد تقدم زملاؤه وترقوا وهو قابع مكانه ، ويمكن أيضًا أن يحرم من العودة إلي وظيفته أو عمله . إن كان مزارعا فلن يجد أرضًا يزرعها ؛ حيث وضعت تحت حراسة أو صدر بها قرار استيلاء . وسوف تشترك جميع الفئات المعفو عنها في الآتي :
- الضعف الجسماني والصحي ، والسعي المستمر خلف العلاج ، والشعور المستمر بالضعف المانع من أية مقاومة . - الشعور العميق بالنكبات التي جرتها عليهم دعوة الإخوان وكراهية الفكرة والنقمة عليها . - عدم ثقة كل منهم في الآخر ، وهي نقطة لها أهميتها في انعزالهم عن الجميع وانطوائهم علي أنفسهم . - خروجهم بعائلاتهم من مستوي اجتماعي إلي مستوي أقل نتيجة لعوامل الإفقار التي أحيطوا بها . - تمرد نسائهم علي تقاليدهم ، وفي هذا إذلال فكري ومعنوي ، لكون النساء في بيوتهن سلوكهن يخالف أفكارهم وتبعًا للضعف الجسماني والمادي لا يمكنهم الاعتراض . - كثرة الديون عليهم نتيجة لتوقف إيرادهم واستمرار مصروفات عائلاتهم . النتائج الإيجابية لهذه السياسة هي : - الضباط والجنود الذين يقومون بتنفيذ هذه السياسة سواء من الجيش أو البوليس سيعتبرون فئة جديدة ارتبط مصيرها بمصير هذا الحكم القائم ؛ حيث إنه عقب التنفيذ سيشعر كل منهم أنه في حاجة إلي هذا الحكم ليحميه من أي عمل انتقامي قد يقوم به الإخوان كثأر . - إثارة الرعب في نفس من تسول له نفسه القيام بمعارضة فكرية للحكم القائم . - وجود الشعور الدائم بأن المخابرات تشعر بكل صغيرة وكبيرة ، وأن المعارضين لن يتستروا ، وسيكون مصيرهم أسوأ مصير . - محو فكرة ارتباط السياسة بالدين الإسلامي :
انتهي ويعرض علي السيد الرئيس جمال عبد الناصر
إمضاء : السيد / رئيس الوزراء .
إمضاء : السيد / قائد المخابرات .
إمضاء : السيد / مدير المباحث العامة .
إمضاء : السيد / شمس بدران .
أوافق
جمال عبد الناصر
الفصل الثاني : • وبعد ..
وبعد .. فإن الثورة لم تأل جهدًا في تنفيذ ما جاء به في الوثيقة المنشورة علي كل أعضاء تنظيم سنة 1965 ، وكل من شمله قرار 6 سبتمبر الشهير ، الذي يقضي باعتقال كل من سبق اعتقاله منذ قيام الثورة سنة 1952 حتى تاريخ صدور هذا القرار .. وقد وضعني القدر وإخواني الذين سبق الإفراج عنهم بعد سنوات السجن ضمن فئة المعتقلين ، لا لأننا كنا سنفرح في حالة نجاح حركة الإخوان كما قال كمال رفعت في رده علي سؤال المعتقلين في معتقل طره السياسي ، بل لسبب آخر خاص بموقفنا المعارض للحكم حتى آخر يوم لنا في السجون ، والذي كان وراء بعث الروح في تنظيم الشباب الجديد .. لأن الشباب إذا ما خوفوا في التحقيقات بما حل بنا من سجن وتعذيب كانوا يجيبون :
نحن لسنا أقل منهم استعدادًا للبذل والتضحية في سبيل إعلاء كلمة الله علي هذه الأرض ، وفي سبيل حفظ وطننا من سوء المصير .. لقد أقمنا من أنفسنا حراسًا علي دين هذا الشعب ومستقبله الإسلامي الصحيح .. فكان تكرار ذكر موقفنا علي ألسنتهم وتأسيهم بنا ظرفًا مشدداً مضافًا إلي كل الأسباب المحلية والدولية والشخصية ، التي أخرجت هذه الوثيقة الشيطانية إلي عالم الوجود ؛ لتكون شاهدًا علي ما يمكن أن يصل إليه الإنسان من تردٍ في السلوك .. وعشنا ميدانا لتطبيق ما جاء بها طيلة فترة الاعتقال ، التي كان مقدراً لها أن تستمر إلي الأبد ، علي حد تعبير جمال عبد الناصر في خطبه له .
وشرح ما تعرضنا له في فترة الاعتقال الذي استمر معي ست سنوات يطول لأنه كان علي النفس أقسي من السجن ، لأن الأمة كلها كانت تعيش في معتقل كبير . لقد ترسب لدي اقتناع جازم في سنة 1969 وما بعدها حتى تاريخ وفاة عبد الناصر .. بأننا باقون خلف الجدران حتى نلقي الله ، وكان هذا الاعتقاد وراء مغامرة كتابة هذه المذكرات التي لن يصيبني منها أي سوء ، سوى التعجيل بالشهادة ، وهي خير عندي من الموت البطيء ... ولكتابتها خفية ولنجاتها من موجات التفتيش وللتفنن في إخراجها إلي خارج المعتقل قصة طويلة ، عاينت قدرة الله ورعايته في كل خطوة من خطواتها ، يحدوني قسم قطعه علي نفسه لسان حال كل أخ منا ..
قـسًـما وربي والكــتـاب وآيه والعـرش والكرسـي فـوق سمـائه
وبكل حـرف في حـديـث نـبيه وفي كل مـوصـول الرضا من خلقه
في كل سـجن ضـمـني جدرانه ورأيـت فيه المـوت مـن سجـانـه
في كل ليل بـت فـيه مسـهـداً وفي كل شـبر ضـقت فيه بـأرضه
في كل يوم قـارس فربـي الحشا وفي كل صيف عـشت فـي جمراته
في كل أنات الأحـبة في الدجـى تشكـو لبـارئـها فظـائـع خلقـه
في كل من جلدوه حـتى لم يـعد فـيه من الإنـسان غـير عظـامـه
في كل مـن بات الليـالي طاويًا حـتى تضوع من لـهيب سـعـاره
في كل من بـات الليـالي ظامئًا حـتى تجـرع بولـه فـي كـفــه
في كل من نفخـوه حـتى أنـه قد كـان كالبـالون في حـركـاتـه
في كل من نهشـته أنياب الكلاب ومــــزقـت فـي لحــمــه
في كل من تركـوه ينزف جرحه وكـأنـه ميـت يفـوح بقـبــره
في كل من وضـعـوه في ثلاجة جعلته يعــوى من تجـمد جسمـه
أو ألبــسوه الطوق في وحشيـة والكهربـاء تسـير في أطرافــه
في كل روح طاهر قد أزهقــوا وتظاهروا فـي شعـبـنا بهـروبه
في كل سيـدة أهانـوا ضعـفـها وتحـملت مـا لا أبـوح بـذكـره
في كل فـن أحـضروه لطحــننا وفي كل مـا لا علـم في إحصـائه
في كل طـفل باسـم حلو الثـنـا لم يرحـموا هذا الـضنا لصراخـه
في كل سانحـة تؤرق خـاطري وتـضـم آهاتـي إلـي آهـاتـه
قـسـمًا وعينـي بالدموع ترقرقت يا ضـيـعـة الإسـلام في أبنائه
قـسـمًا وربي والكتـاب وآيــه قـسـمًا به قـسـمًا به قـسـمًا به
قـسـمًا سأصـدع بالكتاب مجاهراً مهما جـري حـتى أُغَيَّب فـي الثرى
لـيـعود للقلب المُعَنَّي حــبــه والخـير يجـري في الصحاري أنهرا
والنور يسـري في ربوع حياتنـا والأرض تلتـحف البـسـاط الأخضرا