د.صفوت حسين يكتب :وجود الإخوان ... ضرورة سياسية محليا ودوليا
كفر الشيخ اون لاين | خاص
مع أننا من أكثر الأمم حديثا عن التاريخ والاستفادة من دروسه إلا أننا أبعد ما نكون عن استيعاب أحداثه ودلالته،وربما نكون أكثر الأمم التي تنطبق عليها مقولة إن التاريخ يعيد نفسه من كثرة تكرار نفس الأخطاء والإصرار عليها
ويبدوا أن النظام الحالي في مصر مصصم علي المضي في نفس الطريق الذي ثبت خطأه سواء داخل مصر أو خارجها بمحاولة ضرب واستئصال جماعة الإخوان،وهي المحاولات التي فشلت من قبل بصفة خاصة في عهد عبدالناصر،ولن يختلف الأمر هذه المرة عما سبق بل علي العكس فإن الوضع بالنسبة لجماعة الإخوان أفضل حالا من عهد عبد الناصر- بالرغم من قوة الضربات - من حيث الانتشار والعمق ...كما تبقي حقيقة أن الجماعة تقوم علي فكر والأفكار لا تموت بالعنف مهما كانت قوة الضربات التي توجه اليها بل علي العكس تزيد من يعتنقونها قوة وصلابة واستمساكا بما يعتقدون أنه الحق إن محاولات ضرب الإخوان سيترتب عليها آثار سلبية عديدة ليس علي مستوي مصر فحسب بل علي مستوي العالم فهذه المحاولات قد تجعل الكثيرون يكفرون بوسائل التغيير السلمية بعد أن تم الانقلاب علي الديمقراطية التي أتت بالإسلاميين،والذين أصبحوا بين مقتول ومعتقل ومطارد ومنفي،وستصبح الجماعات التي تؤمن بالعنف أكثر جاذبية بين الشباب وستنتشر الأفكار التكفيرية وستملأ الفراغ الذي خلفته الجماعات الوسطية المعتدلة التي تم ضربها وبالرغم من أن التربية داخل الإخوان قائمة علي نبذ العنف وإتباع الوسائل السلمية في التغيير إلا أن ما تتعرض له الجماعة من ضربات وضعف سيطرة الجماعة نتيجة هذه الضربات علي أفرادها وبفعل قانون رد الفعل قد تدفع بعض شبابها إلي تبني العنف خاصة مع انتشار روح السخرية والتهكم من التمسك بالسلمية من جانب الكثير من الشباب علي مواقع التواصل الاجتماعي
لقد بدأ ظهور جماعات الجهاد والتكفير في عهد عبد الناصر،وفي ظل الضربات الموجعة التي وجهها للإخوان حيث كان بداية نشأة المجموعات الجهادية 1964 كما ظهر فكر التكفير داخل المعتقلات في عهد عبد الناصر في الستينيات نتيحة التعذيب وبدا السؤال الذي يطرح نفسه هل من يقومون بتعذبينا مسلمين؟ وهذه كانت نواة ظهور جماعة المسلمين المعروفة إعلاميا بالتكفير والهجرة بزعامة شكري مصطفي،وقد تصدي لهذا الدعوة داخل المعتقلات الإخوان المسلمون،وأصدر المرشد العام للجماعة المستشار حسن الهضيبي كتاب "دعاة لا قضاة" للرد عليهم من الناحية العلمية،وقد نجحت جهود الجماعة في النأي بأفرادها عن هذا الفكر والتصدي له
وقد تبنت الجماعة المنهج السلمي منذ سمح لها بالعمل في السبعينيات واستطاعت استقطاب الآلاف من الشباب لمنهجها البعيد عن العنف،وعندما حدث تمايز بين المنتمين للحركة الإسلامية في أوائل الثمانينات،والذين كانوا يعملون جميعا تحت لافتة الجماعة الإسلامية في السبعينيات انخرط الإخوان في العملية السياسية،وشاركوا في الانتخابات البرلمانية بينما تركزت الجماعات التي تكفر المجتمع وتميل للعنف في الصعيد،وعندما اشتعلت أعمال العنف في التسعينيات بين الدولة والجماعة الإسلامية والجهاد تمسك الإخوان بموقفهم الرافض لخيار العنف،والتي أعلنت الجماعة الإسلامية بعد مراجعات فكرية عن تخليها عنه.. ولنا أن نتخيل الموقف لو كان الإخوان قد تبنوا هذا الخيار وانخرطوا فيه
لقد شكل الإخوان صمام أمان للمجتمع عن طريق نشر الفكر الإسلامي الوسطي المعتدل في المجتمع من خلال وسائلها المختلفة،واستوعبت حركة الآلاف من الشباب - الذي كان يمكن أن يكون وقود لحركات العنف - في نشاطها السياسي الذي حرك بعض المياه الآسنة في المجتمع نتيجة الجمود والركود الذي أصاب مصر فترة طويلة من عهد مبارك
ثم جاءت ثورة 25 يناير وإزاحة مبارك من السلطة والاحتكام إلي الآليات الديمقراطية وإجراء الانتخابات بقدر كبير من النزاهة والشفافية،وفوز التيار الإسلامي بصفة عامة بالأغلبية في الانتخابات البرلمانية،وفوز محمد مرسي بالرئاسة لتؤكد علي صواب منهج التغيير السلمي.. فانتصار ثورة 25 يناير كان في جانب منه انتصار للحركات الإسلامية التي تنبذ العنف وتؤمن بالتغيير السلمي وبقدر انتصار وتقدم هذا المنهج بقدر تراجع وانكسار منهج العنف
لقد أدي وقوع الانقلاب في مصر والانقضاض علي التجربة الديمقراطية الوليدة والدور الذي تقوم به بعض الدول الخليجية في محاولاتها لإجهاض ثورات الربيع العربي - التي جاءت بالإسلاميين للسلطة ودفعت بهم للواجهة - خشية تسلل رياح الثورة إليها إلي زيادة نفوذ جماعات العنف التي أصبحت رسالتها للشباب عن عدم جدوى التغيير السلمي أسهل بكثير عما قبل بعد أن رأوا بعينيهم فشل وإخفاق تجربة التغيير السلمي في مصر نتيجة الانقلاب وما أعقبه من مذابح واعتقالات ومطاردات لأكبر الجماعات الإسلامية التي نبذت العنف وتتمسك بالخيار السلمي رغم كل ما تتعرض له ،ولهذا نجد انتعاش لجماعات العنف والذي يتعدي خطرها المنطقة إلي العالم بأسره وعلي رأسها داعش
ومن الخطأ أن تتصور هذه الدول الذي تعمل فعليا بسياستها علي انتشار العنف،وإشعال المنطقة تحت زعم محاربة الإرهاب أنها ستستفيد من انتشار الفوضى،وتصدر الجماعات التكفيرية المسلحة للمشهد لتبعث برسالة لشعوبها أن هذا ماينتظرهم في حالة الثورة عليهم أنها ستكون بمنأي عن العنف،أوأنها ستكون بعيدة عن روح الكراهية التي ستنالها من جانب قطاعات كبيرة من الشعوب العربية جراء مواقفها من ثورات الربيع العربي خاصة دولة الإمارات التي أغراها النجاح الذي تحقق في مصرأن تلعب دورا محوريا من خلال عوائدها المالية في محاولات ليس فقط إجهاض ثورات الربيع العربي بل تخطي الأمر إلي محاولة ضرب أي نموذج إسلامي ناجح
لذلك رأينا محاولتها لا تتوقف عند حماس وتونس وليبيا وسوريا وغيرها بل تعدي ذلك إلي تركيا،وإن كان الإخفاق كان حليفها في تركيا بوجود شخصية قوية وصاحبة إنجازات مثل أوردغان فخرجت من الساحة مبكرة إلا إن محاولاتها لم تتوقف في الدول الأخرى بالرغم من فشل محاولة استنساخ حركة تمرد في غزة ضد حماس،وفشل محاولاتها في تونس بعد أن استطاعت حركة النهضة استيعاب ماحدث في مصر والتراجع خطوات للخلف وتفويت الفرصة علي المؤامرة هناك ولو إلي حين
أما المشكلة الحقيقية الآن فهي في ليبيا الذي تعدي الأمر إلي استعمال القوة العسكرية من خلال الطائرات الحربية من جانب الإمارات بمساعدة مصرية كما تواردت الأنباء،وهو ما أدي لتحرك الكتائب الثورية الليبية لإجهاض تحركات ما تراه ثورة مضادة تحاول استنساخ التجربة المصرية وبالرغم من تحقيقها انتصارات عسكرية،وبسط سيطرتها علي طرابلس وبنغازي إلا أنه من الصعب حسم الأمر عسكريا لأسباب متعددة منها انتشار الجماعات المسلحة المتباينة فكريا وقبليا ووجود نزعات انفصالية بالإضافة إلي المصالح الغربية والتدخلات العربية التي تعمل علي تأجيج الوضع وهو ما يهدد باستمرار النزاعات المسلحة لفترات طويلة قادمة وربما يقود إلي الحرب الأهلية وتقسيم ليبيا إن هذه التدخلات والحرب علي الاتجاهات الإسلامية المعتدلة لن تقود إلا إلي انتشار روح الكراهية وانتشار العنف في المنطقة والذي ستنعكس نتائجه علي العالم بأسره
د صفوت حسين
كاتب ومحلل سياسي
المصدر
- مقال:د.صفوت حسين يكتب :وجود الإخوان ... ضرورة سياسية محليا ودولياموقع:كفر الشيخ أون لاين
