الشيخ القائد والفارس النبيل محمد عبد الملك الحلوجي

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

المقدمة

كيف تكون البيئة الداخلية أقوى من إمكانات نظام يحكم دولة، تسخر كتابها وأقلام مثقفيها وكامل إعلامها من أجل شيطنة مشروعًا حقيقياً لنهضة أمة وصناعة مستقبل أفضل لأبنائها.

وكيف يكون معنى التوريث من جيل إلى جيل، حماية لهذه الدعوة من الإندثار أو الإنحراف

هذه لمحات من حياة رجل عاش أكثر من ستة عقود (1958-2019)، فكان فيها مثالاً لجندي فكرة آمن بها ونافح عنها وفتح لها طريقاً للخلود

حيث انتقل من وطنه الأول مصر إلى وطنه الكبير والأكبر، إلى اليمن وأفغانستان، فكان له في كل مكان أثر طيب صالح.

محمد الحلوجي في صباه

وُلد محمد عبد الملك الحلوجى في دمياط عام 1958، لعائلة جمعت ما بين الثراء الواسع والعلم والتصوف، إذ كان جده لأبيه شيخاً أزهرياً لمعهد دمياط الأزهرى، ولعائلته تكية أمام جامع الأزهر الشريف تعرف بإسم (تكية أبو الذهب الحلوجى).

وكان محمد الحلوجي في هذه العائلة وحيد أبويه، لكنه لم يرى دلالاً يُفسده أو ترفاً يبدد طاقاته وإمكاناته في غير النافع المفيد.

عاصر الشاب محمد الحلوجي فترة رئاسة جمال عبد الناصر، والتي تميزت بازدياد المد الشيوعي والقومي وقمع واسع للحريات العام والخاصة، بالإضافة لاعتقالات واسعة لأعضاء جماعة الإخوان المسلمين، كما عاصر فترة حكم السادات الذي كان على غير سلفه من حيث إطلاق الحريات العامة، والتي شهدت إطلاق سراح العديد من معتقلي جماعة الإخوان المسلمين، وعودة نشاطهم مرة أخرى إلى الشارع المصري. وما رآه في الفترتين كان ملهماً له وحافزاً لصناعة سيرة ذاتية نادرة المثال.

وكان للوجود الإخواني حضور ملحوظ في البيئة التي نشأ فيها محمد الحلوجي سواء في فترة صباه أو خلال فترة شبابه، فقد كان أحد أقرباء والدته (خال الوالدة) ممن أعتقلوا في الصدام الأول بين جمال عبد الناصر وبين جماعة الإخوان المسلمين عام 1954، أى قبل أربع سنوات من ميلاد محمد الحلوجي، واُعيد اعتقاله مرة أخرى في المحنة الثانية عام 1965، وكان عمر محمد الحلوجي آنذاك حوالي سبع سنوات، لكن الفتى محمد الحلوجي يتذكر له موقفاً أثَّر فيه كثيرا. يقول محمد الحلوجي: (كان خال والدتى مصارعًا عزيزًا لايخشى في الله لومة لائم، وبعد ان خرج من السجن عام 1969، جلس على قهوة الصيادين يحكى عما عاشه ورآه في معتقلات عبد الناصر من شخصات وأحداث، والناس تسمع له في إنصات عجيب، وعندما علمت الشرطة بذلك ذهبت اليه لتعتقله، وعندما همّ به ضابط الشرطة، قال أحد الخفر للضابط: لا تقم له، لأنه إن قام، قام الناس معه)، فقد كان للرجل (خال الوالدة) مكانة كبيرة يتمتع بها بين الناس. وكانت هذه الحادثة هى الأولى التي صافحت الفتى محمد الحلوجي بإسم وسيرة جماعة الإخوان المسلمين.

وكانت هناك حادثة أخرى أثَّرت في الفتى محمد الحلوجي، حيث كان صديق والده أحد رجال الإخوان المسلمين، وكان مسئولاً عن نشاط أشبال الإخوان فى القرية، وكان ممن شملته حمى الإعتقالات فترة حكم عبد الناصر، وكان لهذا الإعتقال أثر كبير لدى أهل القرية، كما كان له أثر لدى الفتى محمد الحلوجي.

وبطبيعة الحال لم يسمع الفتى محمد الحلوجي خلال فترة صباه عن جماعة الإخوان المسلمين ما يشينها أو يسيئ إليها، مما كان إعلام عبد الناصر يكرره صباح مساء، فلم تؤثر شيطنة عبد الناصر للإخوان على نظرة الحلوجي الصغير لجماعة الإخوان المسلمين ورجالها، بل كانت على العكس من ذلك، تزيده تعلقًا بهم واحتراماً لهم.

وبعد أن إنتقل محمد الحلوجي من فترة الصبا إلى فترة الشباب، تعرَّف على المزيد من شباب جماعة الإخوان المسلمين وشيوخها، ما زاده إحتراماً لها وتقديراً لرسالتها.

الحلوجى طالبا فى الجامعة  

تدرج محمد الحلوجي في مراحل التعليم المختلفة حتى وصل لسن الإلتحاق بالجامعة، فالتحق بكلية اللغة العربية جامعة الأزهر الشريف، تميز الشاب محمد الحلوجى بأنه حاد الذكاء عالى الهمة عزيز النفس، وبهذه الصفات بدأ مشواره طالبا في جامعة الأزهر الشريف .

وسُرعان ما لفت نظر زملائه بصفاته وأخلاقه وهمته، فانتخبه زملاؤه ليكون مسئولا عن نشاط الجوالة في الجامعة.

لم يكن الحلوجي آنذاك من شباب الإخوان المسلمين، لكنه كان يحبهم ويحب طريقتهم في العمل، فكان يشترط على من يدخل فريق الجوالة في الجامعة، بأن يحفظ على الاقل جزئين من القرآن الكريم، كما كان مغرماً بكتاب (الكلم الطيب) للإمام ابن تيمية، فكان يوزعه على زملائه .

أرسل له شباب الإخون المسلمين بالجامعة واحداً منهم ليتعلم منه عمل الجوالة، وبعدما توثقت العلاقة بينه وبينهم، تسائلوا فيما بينهم، من يكون المسئول؟ فقال له شباب الإخوان: أنت المسئول، فالتقطها الحلوجى بذكائه وقال: (قل لمن أرسلك أنا جندى مش قائد).

الحلوجي بين الإخوان المسلمين

بتولي السادات السلطة في مصر، بدأ الإفراج عن معتقلي جماعة الإخوان المسلمين، وهؤلاء نشطوا لاحقاً في الدعوة الإسلامية بمصر، وكان من بين هؤلاء الأستاذ محمد العدوي رحمه الله والذي قضى نحو عشرين عاماً في سجون عبد الناصر، حيث كان ممن اعتقلوا عام 1954 ولم يخرج من السجن إلا في عام 1975.

قام هؤلاء الأساتذة بإحياء نشاط الدعوة الإسلامية في مصر، وتربية الشباب على معاني وأخلاق الإسلام، ومواجهة الأفكار الإلحادية التي خلَّفتها سنوات القهر الناصري، وكذلك أفكار التطرف التي نشأت كرد فعل للعنف المفرط الذي مارسه نظام عبد الناصر تجاه المصريين عامة وأصحاب الإتجاه الإسلامي والمحافظ خاصة.

وعاد من جديد نشاط شباب الإخوان المسلمون في الجامعات المصرية تحت إشراف هؤلاء الأساتذة الذين كان لهم دور كبير في عملية التربية والإرشاد، فكان في الدقهلية الأستاذ محمد العدوي وفي الإسماعيلية الحاج علي رزة وفي البحيرة الأستاذ الدسوقي بقنينة وفي السويس الحاج عبد العزيز العزازي وفي بورسعيد الحاج عبدالعزيز حمودة، وكانوا هم الذين يتصلون بالخريجين من الجامعة في السبعينات، واستطاعوا بذلك أن يغطوا معظم محافظات الجمهورية تقريبا.. [١]

تقابل الشاب محمد الحلوجى بالأستاذ / محمد العدوى مسئول الإخوان المسلمين بالدقهلية، وكان هذا اللقاء هو نقطة التحول في حياة الشاب محمد الحلوجي بعد ذلك.

تأثر الشاب محمد الحلوجى بالأستاذ محمد العدوى تأثراً كبيرا، فكان يقول عنه: (كان اذا جلس وتحدث، كأن النور يخرج من وجهه)، ومنه تلقى الحلوجى أول دروسه فى الدعوة الإسلامية وفي دروس الحياة كذلك.

سأل يومًا الشاب محمد الحلوجى الأستاذ العدوى عن تحية العلم - وكانت العادة ان يكبر الطلاب ثلاثا ثم يحيوا العلم - فأجابه الأستاذ العدوى: أدخلوا في الصيغة (تحيا الامة الاسلامية)، وفعلها الحلوجى، فكان الطلاب يكبرون ثلاثاً ثم يكون الهتاف (تحيا الامة الإسلامية)، كان الأستاذ العدوي يريد أن يذكرشباب الإخوان المسلمين أن إنتمائهم لأوطانهم لا يتعارض مع انتمائهم لأمتهم الإسلامية، وكانت هذه المفاهيم آنذاك غريبة عن الأسماع في ظل المد القومي والماركسي الذي أشاعه إعلام عبد الناصر خلال فترة حكمه.

سأل يوما الأستاذ العدوى الشاب الحلوجي: مالبديل إذا منعتك الدولة من هذا الهتاف؟

يقول الحلوجى: (وكنت أول مرة أسمع هذه الكلمة.. البديل)، وحدث ماتوقعه الأستاذ العدوي.. فانقلبت الدنيا رأسا على عقب من أجل هذا الهتاف، فكان البديل (عاشت مصر حرة في ظل الاسلام) وظل هذا الهتاف الى عام 1981.

كما التقى الشاب محمد الحلوجي في هذه الفترة بأحد شباب الإخوان المسلمين، وهو الشاب المهندس خيرت الشاطر والذي كان يكبر الحلوجي بنحو سبع سنين، إذ كان الشاطر من مواليد (مايو 1950). وقد تأثر به الحلوجي كثيرا، سأله يوماً أبوه عن (خيرت الشاطر)، فقال الشاب الحلوجى لأبيه: إنه حسن البنا الصغير .

وهكذا بدأت رحلة الحلوجى – الجندى القائد - في تعلم دروسه العملية الأولي في الدعوة الإسلامية، وتمكن خلالها من إيجاد واقع جديد في جامعة الأزهر الشريف وفي غيرها من الجامعات المصرية، وهى ساحة إمتلأت بالافكار اليسارية والماركسية، وفى احسن الأحوال، أفكار بعيدة عن الإسلام روحا وتطبيقا .

ميلاد قائد  وزعيم

كان النشاط الطلابي في العديد من الجامعات المصرية تحت سيطرة اليساريين والشيوعيين، وكان الصوت الإسلامى في تلك الجامعات خافت ضعيف، إذ كان شباب الإخوان المسلمين ورجالاتهم، مغيبين لنحو عشرين عاما في سجون عبد الناصر، لكن الوضع تغير بعد إنهيار تجربة عبد الناصر بهزيمة يونيو 1967، ومجئ السادات إلى سدة الحكم، والذي أراد أن يفتح صفحة جديدة مع الشعب المصري، فأتاح قدراً أكبر من الحرية النسبية للشعب المصري.

ولم تلق الأفكار اليسارية والماركسية ما كانت تلقاه سابقاً من رواج وانتشار، بفعل المظالم العديدة التي كان يشعر بها الشعب المصري جرَّاء تغلغل اليسار في حكم البلاد زمن عبد الناصر، وانهيار تجربة عبد الناصر نفسه في الحكم بعد الهزيمة القاسية في يونيو 1967، مما دفع بالعديد من شباب الجامعات بالبحث عن نموذج آخر يحقق لهم الإنتماء، دون أن يكون ملوثاً بجرائم ومظالم فترة حكم عبد الناصر، فأقبل الشباب على دراسة الدعوة الإسلامية والإطلاع على تجارب رجالات وقادة هذه الدعوة، وفي مقدمة مَن أقبل عليهم الشباب المصري، أبناء  جماعة الإخوان المسلمين العائدين لتوهم من سجون عبد الناصر، الذي نظر إليهم العديد من الشباب نظرة احترام وإكبار بعدما عانوا من ظلم عبد الناصر وتنكيله بهم لنحو عشرين عاماً.

في هذه المساحة من الحرية خرج النشاط الطلابي في الجامعات المصرية من يد التيارات اليسارية والماركسية، والتي كانت تحتكر العمل الطلابي باعتبارهم ذراع السلطة بين الشباب في الجامعات.

في هذه الأجواء نشط طلاب الإخوان المسلمين في إحياء العمل الطلابي داخل الجامعات المصرية، ومنهم الشاب النجيب محمد الحلوجي في جامعة الأزهر الشريف.

جرت العادة ان تكون هناك دورة سنوية مجمعة لجوالة الجامعات المصرية، حيث تقدم كل جامعة جملة من الأبحاث بالإضافة لأنشطة أخرى تناسب العمل الطلابي في الجامعات، وتتم هذه الدورة السنوية المجمعة فى جامعة معينة تحمل عَلَم الدورة، وكانت الدورة مختلطة بنين وبنات وفى جامعة حلوان، فقال المسئول عن رعاية الشباب بجامعة الأزهر للحلوجى (مش عاوزين اختلاط)، وكان الحلوجى قائد فريق جوالة الأزهر، وكان معظم قادة فرق الجوالة بالجامعات المصرية الأخرى إما مسيحيين أو شيوعيين، وعندما جاء دور تقديم الأبحاث تقدمت جوالة الأزهر ببحث عن (الزكاة في الاسلام)، وبعدما استمع الطلبة الشيوعيون للبحث تعجبوا، كيف يكون الإسلام بهذه الصورة وهم لايعرفون! واستمر النقاش بين الطلاب حول الإسلام والزكاة حتى الفجر، مما استفز الأمن !

ولم تكن هذه هى البصمة الوحيدة لجوالة جامعة الأزهر في هذا الملتقى السنوي، أو لقائد فريق الجوالة بجامعة الأزهر الشاب النبيه محمد الحلوجي..

ففي هذا المخيم أُذن لصلاة الظهر لأول مرة، وتمت الصلاة في جماعة بالمسجد، وكان الطلبة الشيوعيين متفاجئين بما يسمعون وبما يرون، وتأثراً بما سمعوا، أبدى بعضهم حماسة لهذا الدين (الإسلام) الذى لم يسمعوا أحدا يتحدث عنه مثلما تحدث عنه طلاب الأزهر وقائدهم في هذه الدورة  محمد الحلوجي.

كان الدكتور/ محمد السعدى فرهود وكيلا لجامعة الأزهر ثم رئيساً لها (وكان جد الحلوجى أستاذا له وأعمامه زملاءه)، ممن شجعوا الحلوجى على طلب أن تكون الدورة التالية لجوالة الجامعات المصرية في جامعة الأزهر، وكان في خطة الجامعة أن يكون الملتقى السنوي فيها بلا اختلاط.

كان نائب وزير الشباب حاضراً في هذه الدورة، فاجتمع نائب الوزير بالوفود الطلابية وأخبرهم أن الدورة القادمة في العام التالي، ستكون في جامعة الزقازيق وأن العلم سيتسلمه فريقها! تم ذلك بدون مشاورة بقية الطلاب ..

فقام الحلوجى معترضاً على سلوك نائب الوزير، وقال لفريق جوالة جامعة الأزهر: (للخلف در)، وكانت المفاجأة أن وفود جامعة عين شمس والقاهرة فعلوا مثلما فعل الحلوجى..

وفى الخارج تسلّم الحلوجى قائد فريق جوالة جامعة الأزهر، العلم من فريق جوالة جامعة حلوان، مما أثار غضب نائب الوزيرعلى الطالب محمد الحلوجى.

فخرج نائب الوزير غاضباً ونهر الطالب محمد الحلوجى بشدة، وأعلن أن الدورة في العام التالي ستكون في جامعة الزقازيق وانها ستتسلم العَلَم ..

فرد الطالب محمد الحلوجى قائلا: (بل ستكون الدورة العام التالي في جامعة الأزهر، ونحن من سينفق عليه).

وكان الحلوجى قد رتب هذا الأمر مع إدارة جامعة الأزهر قبل الدورة،

وفي الصباح جاء تليفون من مسئول رعاية الشباب بجامعة الأزهر – وكان متعاطفا مع طلاب الإخوان بالجامعة - للحلوجى (إرحلوا بسرعة لأنكم ستعتقلون، وبالفعل تحرك الحلوجى بزملائه بسرعة فجمعوا أغراضهم وتحركوا بعيدا عن مبنى الدورة، وجاءت السيارة فحملتهم جميعا.. فأفلتوا بذلك من إعتقال محقق .

وهكذا بدأ نَفَس (إسلامى) جديد في جامعة الأزهر، وبدأ معه ميلاد (قائد) جديد سوف يكون له أثر ليس في مصر وحدها، بل في الوطن العربى والإسلامى كله.

الفارس في الميدان

هبَّت على الأمة الإسلامية من جهة الشرق عاصفة إلحادية عاتية، تريد اقتلاع جزء عزيز من أحضان الأمة الإسلامية لتكون (فلسطين) أخرى، فكان الهدف هذه المرة (اليمن) السعيد، فكان للإخوان المسلمين وقفة، ولفارسها النبيل (الحلوجى) بصمة. كان الشيوعيون في (اليمن) يخططون لجعله كله شيوعيا ترفرف عليه الراية الحمراء، وذلك انطلاقا من الجنوب إلى الوسط ثم إلى الشمال، فكانت هجمة تستدعى أن تنهض لها الامة كلها، لكن هذا لم يحدث !

تحرك علماء اليمن، فبدأت مراسلات بين أحد اكبرعلمائها الشيخ/ يحي لطف الفسيل وبين فضيلة الأستاذ/ عمر التلمسانى المرشد العام للإخوان المسلمين.

كان الاستاذ عمر التلمساني يرى أن (الفكر لايواجه إلا بالفكر)، فسأل الاستاذ عمر التلمساني الشيخ الفسيل: ماذا لديكم ؟ قال الشيخ: لدينا المعاهد العلمية.

فقال الاستاذ عمر : ماذا تدرسون فيها ؟ قال الشيخ: الكتاب والسنة.

فاقترح الاستاذ عمر التلمساني على الشيخ لطف الفسيل أن يتم اعتماد هذه المناهج من الأزهر الشريف وكان هذا في زمان فضيلة الإمام الأكبر/ عبد الحليم محمود رحمه الله.. ثم قال الاستاذ عمر للشيخ : (ونحن سنرسل لكم المعلمين والمربين)، وقد كان ..

في هذه الأثناء، تخرج الشاب محمد الحلوجى من الجامعة في عام (1982)، وجاءته وظيفة ذات راتب كبير، فقال له الأستاذ العدوى: (نحن أحوج اليك مدرساً منك كموظف) فَهِم  الفارس النبيل الرسالة، فكان ما أراده الأستاذ العدوي، وانتقل الفارس النبيل الى القاهرة

وهنا بدأ فصل جديد في حياة الشاب محمد الحلوجي، إذ كان فرداً في هذه الكتيبة المؤمنة التي أرسلها الأستاذ عمر التلمساني لإنقاذ اليمن من الشيوعية الحمراء التي تتربص باليمن وأهله، والحفاظ عليه في قلب العالم الإسلامي.

فأرسل الأستاذ/ عمرالتلمساني (المعلمين والمربين) إلى اليمن ليدرسوا مناهج الأزهر الشريف المعتمدة، فكان الفرد الإخوانى يقضى سحابة نهاره في التدريس لأربعة فصول في اليوم الواحد، وفى المساء يكون معلمًا ومربيًا بأخلاقه وسلوكه بين أهالي الحى الذي فيه هذه المدرسة، حتى ذاعت شهرة المعاهد في اليمن، واشتد إقبال الناس عليها، وتحولت كثير من المدارس اليمنية الى المعاهد العلمية، والتي زاد عددها من 56 معهد الى 2600 معهد في ثمان سنوات فقط (82-90).

يحكي الفارس النبيل الحلوجى عن هذه الفترة من حياته، فيقول: (كنا ثلاثة في القرية نتكامل، أحمد ينظِّر ويناقش، وعصام يأتى بالغريب والشديد مع أنه لايحسن قراءة المأثورات، فكان يستأنس القطط الوحشية مما لم يعتاده أهل اليمن، وكان يقول لو أردتم قطعة من الجبل لأتيت بها لكم، فأتى لنا باثنين من أبناء احد الزعماء الشيوعيين)، ولم يذكر لنا الأستاذ الحلوجى دورَه بين الثلاثة (الذى يكمّل به جهد الإخوان أحمد وعصام )، فكان دوره التربية والتعليم، إذ كان رحمه الله مربيا حكيما.

ومثلما تأثر الشيوعيون فى الدوري السنوي لجوالة الجامعات المصرية، بحديث الحلوجى وإخوانه عن الاسلام في فترة الجامعة، تأثر الشيوعيون اليمنيون خاصة الشباب منهم بحديث محمد الحلوجى وإخوانه عن الإسلام، فقد كان الحلوجى وإخوانه يتحدثون بأبلغ لسان وأفصح بيان.. يتحدثون بلسان الخلق والمعاملة .

وهكذا بدأ (بلاء) الشيوعية في الانحسار بسبب جهود هذه الثلة المباركة التي أرسلها الأستاذ عمر التلمساني بجوار إخوانهم من أهل اليمن، وبدأ يعود لليمن حكمته اليمانية، لتبدأ جولة جديدة مع الشيوعية (المتقهقرة) في اليمن السعيد..

الفارس يترجل ....

ومثلما كان للشيخ محمد الحلوجي دوراً في الدعوة إلى الله في اليمن السعيد، كان له بصمة في كل بلد ذهب إليه زائراً أو مرتحلا، ومنها رحلته إلى باكستان خلال الجهاد الأفغاني ضد الإحتلال الروسي..

وأخيراً حطَّت رحال فارسنا النبيل في السودان الحبيب، حيث استقر وأسرته هناك.

وكان الفصل الأخير من حياة شيخنا الجليل بعد حدوث الإنقلاب العسكري في مصر، ونتيجة للجرائم التي ارتكبها العسكر هناك، سواء قبل مذبحة ميدان رابعة أو بعدها، فرَّ العديد من المصريين الرافضين لهذا الإنقلاب إلى السودان، خاصة من أفراد جماعة الإخوان المسلمين، وكان الشيخ محمد الحلوجي في استقبالهم ونجدتهم وإعانتهم هناك، ولم يفرِّق الشيخ في اهتمامه ونجدته بين مَن كان منتمياً لجماعة الإخوان المسلمين أو غير منتمٍ لهم، ما دام رافضاً للإنقلاب، فاراً من بطشه وإجرامه، حيث قام الشيخ في السودان بما تعجز عنه وزارات ومؤسسات.

فكان من الفارين من الإنقلاب شباب لا زالوا في مراحل التعليم، لم يكملوا دراستهم بعد، ويحتاجون إلى رعاية تعوضهم عن بعض ما كانوا يلقونه بين أهليهم، خاصة الرعاية الدينية والتربوية، بالإضافة لتلبية احتياجاتهم، خاصة الدراسية منها، ومنهم كبار السن الذين يحتاجون الى رعاية صحية خاصة مَن كان منهم من أصحاب الأمراض المزمنة، ومنهم من ليس له مصدر للدخل، فهو يحتاج إلى تدبير أمر معاشه، ومنهم من خرج ببعض ماله، يحتاج الى مشورة الناصح الأمين ليستثمر ماله، ومنهم المفزوع المفجوع بصدمة الإنقلاب، فامتلأ بشحنة غضب أو شحنة إحباط..

فكان الشيخ لكل هؤلاء بنفسه وبيته وماله وإخوانه وعلاقاته ..غوثا لكل ملهوف وأمانا لكل خائف وعونا لكل محتاج ومرشدا لكل سائل ودليلا لكل حائر. يوفر لكل هؤلاء السكن والمأكل والدواء والعلاج ومصاريف التعليم، بالإضافة للرعاية التربوية والتوعوية والنفسية اللازمة، مما ساعد كثيراً على عبور هذه المحنة بأقل قدر من الأضرار والخسائر..

وبالطبع لم يكن الشيخ في هذا المضمار وحده، إذ كان خلف الشيخ إحدى مؤسسات جماعة الإخوان المسلمين التي تقوم على رعاية الإخوان المصريين المقيمين خارج مصر، وهى (رابطة الإخوان المصريين العاملين بالخارج)، وكان الشيخ في ذلك الوقت قيادياً فيها، لكن ظل للشيخ دوراً رائداً في حمل همِّ المصريين الفارين من بطش الإنقلاب والقيام على حاجتهم، سواء كانوا من الإخون المسلمين أو كانوا من غيرهم، بصفته مسئول عن الإخوان المصريين المقيمين بالسودان الحبيب.

ظل الشيخ كذلك طوال سبع سنوات (2013-2019)، منذ حدوث الإنقلاب وحتى وفاته، يقوم بدوره في إغاثة الملهوف وعون المحتاج ونجدة كل صاحب همٍّ أو كرب.

وفي مرضه الأخير، تحدد له موعد لإجراء عملية جراحية، لكن خلال ذلك علم الشيخ أن هناك أربعة من الشباب المصريين رهن الإعتقال في السودان، فأجَّل إجراء عمليته الجراحية عدة مرات، ريثما يطمئن على الشباب هناك، ولم يُجرى العملية الجراحية إلا بعد أن اطمئنانه على إطلاق سراح الشباب المعتقلين في السودان. وهو في المستشفى وجهاز القسطرة يتدلى من جسده، كان يهاتف أم احد الشباب يطمئنها ويهدئ من روعها..

يفعل كل ذلك حسبة لله تعالى.. فلم ينشط لمَحمدةٍ أو يكسل لمَذمةٍ.. فهو الفارس النبيل والحر الكريم، قبل أن يكون مسئولًا في جماعة الإخوان المسلمين، أو عضواً في مجلس شوراها (مجلس الشورى العام لجماعة الإخون المسلمين).

رحل الفارس النبيل والعبد الصالح، بعد وقت قليل من إجراء العملية الجراحية، لكن ذكراه الغالية بقيت عالقة في عقول وقلوب من عاشروه وأحبوه وتتلمذوا على يديه، لم تغادر.

رحم الله عبده محمد عبد الملك الحلوجي وأجزل عطائه وتقبل منه.. اللهم آمين.

المصادر:

  1. الأستاذ محمد العدوي – موقع إخوان ويكي https://www.ikhwan.wiki/index.php?title=%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AF%D9%88%D9%8A